فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 402

"الإجماع نوعان: الأول: إجماع على النصوص وتواتر ذلك، وهو الإجماع على الأمور التي قال عنها العلماء. إنها علمت من الدين بالضرورة، وذلك ككون الصلوات خمسا، وعدد ركعاتها، ونحو ذلك، فهذه مسائل مجمع عليها؛ لتظافر النصوص والأخبار على إثباتها، وتواتر السنة بها، وإجماع العلماء في هذه الحال هو إجماع على النصوص وفهمها، وعليه فكل نص يخالف هذا النوع من الإجماع لا يلتفت إليه؛ لأنه يخالف نصوصًا مجمعًا على معانيها."

الثاني: إجماع على أحكام هي موضع مناقشات بين العلماء، كإجماع الصحابة -رضوان الله عليهم- على رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو منع تقسيم الأراضي المفتوحة بين الغانمين، وهو إجماع قد اعتمد على النص، ولا يعد منكره كافرًا كمن ينكر الصلوات الخمس مثلًا، وهذا النوع -بلا شك- يؤخر الاستدلال به عن الكتاب والسنة. (راجع: التعارض والترجيح ص154، 155، 163، 164) .

وعلى ضوء هذا الكلام نقول: إن الإجماع بالتعريف الأول لا يمكن لأحد أن ينكر -حجيته كدليل شرعي، خاصة إذا كان ثابتًا ثبوتًا قطعيًا، لأن دعاوى الإجماع قد كثرت وتعددت، فلو سلمنا لكل من ينقل الإجماع على مسألة بعينها، لأدى ذلك إلى تناقض وتعارض أدلة الشريعة الغراء، وعلى ضوء هذا الكلام نريد أن نناقش دعوى الإجماع المدّعاة مناقشته علمية منصفة، وليس من غرضنا رد دعوى الإجماع أو إثباتها، وإنما إيقاف القارئ على الإشكالات المتعلقة بهذه الدعوى، فنقول وبالله التوفيق:

إن الإجماع المدَّعى لا يمكن أن يسلّم به، أو يحتج بمثله على عموم العذر بالجهل في جميع المسائل وفي جميع الأحوال؛ وذلك لعدة أمور:

الأمر الأول: إن هناك من العلماء المعتبرين من نقلوا الإجماع على خلافه -أي على عدم عذر الجاهل بالجهل في المسائل الظاهرة: كالإمام القرافي المالكي -إمام المالكية في عصره-، والإمام أبو بطين النجدي، ونقل الشيخ رشيد رضا صاحب"المنار"اتفاق العلماء وإليك نصوصهم في نقل الإجماع على عدم عذر الجاهل في المسائل الظاهرة.

يقول الإمام القرافي المالكي في معرض حديثه عن عارض الجهل وتأثيره، وما يكون منه عذرًا وما لا يكون:"ولذلك لم يعذره الله بالجهل في أصول الدين إجماعًا" [1] .

ويقول الإمام أبو بطين النجدي الحنبلي:

(1) - شرح تنقيح الفصول، للقرافي: (ص439) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت