فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 402

البرهان الأول:

قال تعالى: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: 165] فهذه الآية من أوضح الدلالة أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل اعتذار معتذر بالجهل بعد أن أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام حجته على عباده بهذا القرآن، الذي أقام فيه الأدلة والبراهين الدالة على تفرده بالعبادة وحده لا شريك له، فمن بلغته الرسالة، وبلغه هذا القرآن، فقد قامت عليه حجة الله، وليس لك بعد ذلك عذر، كما قال تعالى: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) أي معذرة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب.

وفي ضوء هذا المعنى يقول الشيخ سليمان بن سحمان:"فالشخص المعين إذا صدر منه ما يوجب كفره من الأمور التي هي من ضروريات الإسلام مثل عبادة غير الله سبحانه وتعالى، فإن الله قد أقام الحجة بإنزال كتبه وبعث رسله، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وهذا مما لا إشكال فيه .." [1] .

ويقول في موضع آخر موضحًا أن حجة الله تقوم في المسائل الظاهرة بإرسال الرسل، وبلوغ القرآن، فيقول:"وأما تكفير الشخص المعين فلا مانع من تكفيره إذا صدر منه ما يوجب تكفيره، فإن عبادة الله وحده لا شريك له من الأمور الضرورية المعلومة من دين الإسلام، فمن بلغته دعوة الرسل وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة .." [2] .

ويقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية:"وقوله تعالى: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) [النساء: 165] أي: يبشّرون من أطاع الله، واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره، وكذّب رسله بالعقاب والعذاب، وقوله: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء: 165] أي: إنه تعالى أنزل كتبه، وأرسل رسله .. لئلا يبقى لمعتذر عذر، كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى) [طه: 134] ، وكذا قوله: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) [القصص: 47] ، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل؛ من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب

(1) - الضياء الشارق: (ص 290 - 291) .

(2) - الضياء الشارق: (ص290) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت