فهرس الكتاب
المبحث السادس
نصوص الأئمة المجتهدين
ابن جرير الطبري إمام المجتهدين والمفسرين:
77 -يقول في معرض قوله تعالى: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ) [البقرة: 13] :"والدلالة التي تدل عليها هذه الآية من خطأ قول من زعم أن العقوبة من الله لا يستحقها إلا المعاند ربه بعد علمه بصحة ما عانده فيه نظير دلالة الآيات الأخر التي قد تقدم ذكرنا تأويلها في قوله: (وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) [البقرة: 12] ونظائر ذلك" [1] .
78 -ويقول رحمه الله في موضع آخر مكررًا هذا المعنى نفسه، وهو يتكلم عن المنافقين:"فذلك إفساد المنافقين في أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها، فلم يسقط الله جل ثناؤه عنهم عقوبته، ولا خفف عنهم أليم ما أعد من عقابه لأهل معصيته بحسبانهم أنهم فيما أتوا من معاصي الله مصلحون، بل أوجب لهم الدرك الأسفل من ناره، والأليم من عذابه، والعار العاجل بسب الله إياهم وشتمه لهم، فقال تعالى: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) [البقرة: 12] ، وذلك من حكم الله جل ثناؤه فيهم، أدل الدليل على تكذيبه تعالى قول القائلين:"إن عقوبات الله لا يستحقها إلا المعاند ربه فيما لزمه من حقوقه، وفروضه بعد علمه، وثبوت الحجة عليه بمعرفته بلزوم ذلك إياه" [2] ."
فبالنظر إلى كلام إمام المفسرين الطبري رحمه الله الذي أوضح فيه فساد مذهب القائلين إنه لا يستحق عقوبة الله إلا المعاند ربه مع علمه صحة ما عانده فيه، ومعرفته بذلك، وهو محل قول القائلين من المعاصرين أنه لا يكفر إلا المعاند، وأوضح الطبري أيضًا أن حكم الله تبارك وتعالى دال على خطأ قول القائلين أن العقوبة لا يستحقها إلا المعاند بعد العلم، وثبوت الحجة عليه هو مذهب فاسد فإخراج الجاهل والمتأول والمخطئ في المسائل الظاهرة مشاقة لنصوص القرآن العزيز، ولذلك رد العلامة أبو بطين النجدي على من يخص حكم الكفر للمعاند، وبين فساد هذا المذهب بقوله:"وأيضًا فنحن لا نعرف إنه معاند حتى يقول: أنا أعلم أن ذلك حق، ولا ألتزمه أو لا أقوله، وهذا لا يكاد يوجد، وقد ذكر العلماء من أهل كل مذهب أشياء كثيرة لا يمكن حصرها من الأقوال والأفعال والاعتقادات أنه يكفر صاحبها، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند."
(1) - تفسير الطبري: (1/ 139 - 140) ط الشعب.
(2) - تفسير الطبري: (2/ 136 - 137) ط الشعب.