فهرس الكتاب
[البقرة: 167] ، ثم يوضّح الإمام ابن القيم أن هناك فريقًا ثانيًا من أهل الجهل منغمسون في هذا الجهل، ويحكم عليهم بأنهم بمنزلة الدواب والأنعام، ويعرّفنا إياهم بكونهم هم الذين يعملون على غير بصيرة وهم مقلدون الآباء.
يقول:"القسم الثاني من هذا الصنف: أصحاب الظلمات، وهم المنغمسون في الجهل بحيث قد أحاطت بهم جاهليتهم من كل وجه، وهم لذلك بمنزلة الأنعام، بل هم أضل سبيلا، فهؤلاء أعمالهم التي يعملونها على غير بصيرة، بل بمجرد التقليد، واتباع الآباء من غير نور من الله تعالى".
ثم يوضح لنا الإمام ابن القيم أن هذا ينطبق وبشدة على صنفين من الناس: الأول: أهل البدع والضلال، والثاني: أهل الشرك الذين يعبدون الله تعالى بخلاف ما أمر به، وحتى لا يحتج محتج أن الآية إنما تنطبق على الكافر الأصلي، فيقول:"فيا له تشبيهًا ما أبدعه، وأشد مطابقة لحال أهل البدع والضلال، وحال من عبد الله سبحانه وتعالى على خلاف ما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل به كتابه، وهذا التشبيه هو تشبيه لأعمالهم الباطلة بالمطابقة والتصريح ولعلومهم وعقائدهم الفاسدة باللزوم". ثم يفسر قوله تعالى: (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) [النور: 39] فيقول:"فهذا مثل الضال الذي يحسب أنه على هدى". ويقول ابن القيم أيضًا:"ويجوز أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار، وأن أصحاب المثل الأول: هم الذين عملوا على غير علم، ولا بصيرة، بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف، فكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وأصحاب المثل الثاني: هم الذين استحبوا الضلالة على الهدى، وآثروا الباطل على الحق، وعموا عنه بعد أن أبصروه، وجحدوه بعد أن عرفوه، فهذا حال المغضوب عليهم"، ثم يوضح قائلًا:"فالمثل الأول من المثلين: لأصحاب العمل الباطل الذي لا ينفع، والمثل الثاني: لأصحاب العلم الذي لا ينفع والاعتقادات الباطلة، وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق". فما أوضح كلام الإمام ابن القيم الذي بين فيه أن الله تعالى قسم الكفار إلى نوعين: نوع كفر عن جهل وحسن ظن بالأسلاف، ومع ذلك الجهل وحسن الظن بالأسلاف وجد أعماله هباء منثورًا، والنوع الثاني: من كفر عن علم، وآثر الباطل بعد معرفته الحق، وننهي الحديث عن الآيات بقول الإمام:"فليتدبر اللبيب أحوال الفريقين، وليطابق بينهما وبين المثلين، ويعرف عظمة القرآن وجلالته، وأنه (تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 42] " [1] .
(1) - التفسير القيم: (ص379 - 388) .