فهرس الكتاب
فأين يذهبون؟ قال: لا أدري، وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه: (يَغْشَاهُ مَوْجٌ) الآية: يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهي كقوله: (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ) [البقرة: 7] الآية، وكقوله: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) [الجاثية: 23] الآية، وقال أبي ابن كعب في قوله تعالى: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) فهو يتقلب في خمسة من الظلم، فكلامه ظلمة، وعلمه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار. وقال السدي والربيع ابن أنس نحو ذلك أيضًا. وقوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) ، أي: من لم يهده الله، فهو هالك جاهل حائر بائر كافر، كقوله: (مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ) [الأعراف: 186] ، وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور: 35] ، فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورًا، وعن أيماننا نورًا، وعن شمائلنا نورًا وأن يعظم لنا نورًا .." [1] يقول ابن القيم في التفسير القيم:"فانظر كيف تضمنت هذه الآيات طرائق انتظمت طوائف بني آدم أتم انتظام، واشتملت عليها أكمل اشتمال، فإن الناس قسمان: أهل الهدى والبصائر الذين عرفوا أن الحق فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى .. القسم الثاني: أهل الجهل والظلم الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظلم لأنفسهم، باتباع أهوائهم .. وهؤلاء قسمان: أحدهما الذين يحسبون أنهم على علم وهدى، وهم أهل الجهل والضلال، فهؤلاء أهل الجهل المركب، الذين يجهلون الحق ويعادون أهله وينصرون الباطل ويوالونه ويوالون أهله (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [المجادلة: 18] .."ثم يوضّح ابن القيم أن لأهل لاضلال وأهل الباطل أعمالًا يظنون أنها تنفعهم، ولهم علوم يتباهون بها، فهذه العلوم لن تنفعهم، وهذه الأعمال التي كانت لغير الله تعالى، قد صيّرها الله حميمًا يسقونه يوم القيامة، يقول ابن القيم:"فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حُشر الناس، واشتد بهم العطش، بدت لهم كالسراب فيحسبونه ماء، وإذا أتوه وجدوا الله عنده، فأخذتهم زبانية العذاب فنقلوهم إلى نار الجحيم، قال تعالى: (وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ) [محمد: 15] وذلك الماء الذي سقوه هو تلك العلوم التي لا تنفع، والأعمال التي كانت لغير الله تعالى، صيّرها الله تعالى حميمًا، كما أن طعامهم (مِن ضَرِيعٍ، لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ) [الغاشية: 6 - 7] وهو تلك العلوم والأعمال الباطلة التي كانت في الدنيا، كذلك لا تسمن ولا تغني من جوع، وهؤلاء الذين قال الله عنهم: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: 103 - 104] ، وهم الذين عنى الله بقوله: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) [الفرقان: 23] ، وهم الذين عنى بقوله تعالى: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)
(1) - ابن كثير: (3/ 286، 287) ط/ دار الجيل.