فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 402

وفي ضوء هذا المعنى يقول الإمام القرطبي:"قوله: (وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) الذي ارتضى لهم، أي: يأمرونهم بالباطل، ويشككونهم في دينهم، وكانوا على دين إسماعيل، وما كان فيه قتل الولد، فيصير الحق مغطى عليه، فبهذا يلبسون .." [1] .

ويقول الإمام أبو بكر ابن العربي المالكي مقررًا ما قد قلناه، من أن هذا التخليط والتلبيس أمر لا ينقطع إلى يوم القيامة، والجهل وعدم العلم بحقيقته أدعى إلى الوقوع فيه، فيقول:

"وروي عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس أنه قال: من أراد أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قوله: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: 140] . قال ابن العربي: وهذا الذي قاله كلام صحيح، فإنها (يقصد العرب) تصرّفت بعقولها العاجزة في تنويع الحلال والحرام سفاهة بغير معرفة، ولا عدل، والذي تصرفت بالجهل فيه من اتخاذ الآلهة أعظم جهلًا وأكبر جرمًا؛ فإن الاعتداء على الله تعالى أعظم من الاعتداء على المخلوقات، والدليل في أن الله واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في مخلوقاته -أبين وأوضح من الدليل على أن هذا حلال وهذا حرام، وقد روي أن رجلا قال لعمرو بن العاص: إنكم على كمال عقولكم، ووفور أحلامكم عبدتم الحجر. قال عمر:"تلك عقول كادها باريها"، فهذا الذي أخبر الله سبحانه من سخافة العرب وجهلها أمر أذهبه الإسلام، وأبطله الله ببعثة الرسول عليه السلام، فكان من الظاهر لنا أن نميته حتى لا يظهر، وننساه حتى لا يذكر؛ إلا أن ربنا تبارك وتعالى ذكره بنصه، وأورده بشرحه، كما ذكر كفر الكافرين به، وكانت الحكمة في ذلك والله أعلم: أن قضاءه قد سبق، وحكمه قد نفذ بأن الكفر والتخليط لا ينقطعان إلى يوم القيامة .." [2] .

(1) - تفسير القرطبي: (3/ 2530) .

(2) - تفسير القرطبي ج3 ص2526، وكلام ابن العربي موجود في كتابه إحكام القرآن ج2 ص752 - 753 ط/ دار الجيل -بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت