فهرس الكتاب
أقرب المذاهب في توجيه الحديث:
أقرب المذاهب في توجيه هذا الحديث هو المذهب السابع، الذي يقول:"إن الرجل فعل ذلك في حالة غلب عليه فيها الجزع والدهشة والخوف من الموت، فقال ذلك، وهو غير ضابط لمعنى ما يقول، فصار في معنى الغافل والناسي، وارتفعت عنه المؤاخذة، فمثله كمثل الرجل الذي قال من شدة الفرح:"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، فهذا الأول لم يؤاخذ من شدة جزعه ودهشت، والثاني لم يؤاخذ من شدة فرحه".
وفي ترجيح هذا المذهب يقول الإمام الحافظ ابن حجر:"وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته، وغلبة الخوف عليه، حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي، الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه" [1] .
يقول النووي رحمه الله معتمدًا هذا الوجه فيما نقله عنه القسطلاني:"إنما قال ذلك في حال دهشته، وغلبة الخوف عليه، بحيث ذهب تدبره فيما يقول، فصار كالغافل والناسي الذي لا يؤاخذ بما صدر منه، ولم يقله قاصدًا لحقيقته" [2] .
وقد نفى العلامة عبد الله أبو بطين النجدي مفتي الديار النجدية أن يكون هذا الحديث حجة لمن يقول: إن من ارتكب الكفر والشرك جاهلًا يُعذر بالجهل ولا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، واعتبره يدخل تحت باب الصفات التي يقع فيها الإعذار بالجهالة.
يقول رحمه الله:"واحتج بعض من يجادل عن المشركين بقصة الذي أوصى أهله أن يحرّقوه بعد موته على أن من ارتكب الكفر جاهلًا لا يكفر، ولا يكفر إلا المعاند."
والجواب عن ذلك كله أن الله -سبحانه وتعالى- أرسل رسله مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وأعظم ما أُرسلوا به ودعوا إليه: عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك الذي هو عبادة غيره"... إلى أن قال رحمه الله:"وأما الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه، وأن الله غفر له مع شكه في صفة من صفات الرب سبحانه، فإنما غُفر له لعدم بلوغ الرسالة له، كذا قال غير واحد من العلماء، ولهذا قال الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها كفر، وإن كان
(1) - فتح الباري (13/ 290) .
(2) - إرشاد الساري شرح صحيح البخاري نقلًا عن النووي إرشاد (10/ 439) ، عن الأحاديث القدسية (1/ 90) .