الشيء الكثير، وفي صنيعه هذا إهدار لجل السنة، وإن كان ابن الأخرم يقول: لكن قلما عند ابن الأخرم منه قد فاتهما، يعني: قليل الذي فات الصحيحين ولم يذكراه.
نقول: لا؛ ولذا قال الحافظ العراقي:"وردّ -يعني كلام ابن الأخرم- لكن قال يحيى: البر لم يفت الخمسة إلا النذر، وفيه ما فيه -يعني كلام يحيى الذي هو النووي، وفيه ما فيه لقول الجعفي أحفظ منه عشر ألف ألف."
يعني يحفظ مائة ألف، والكتب الخمسة ليس فيها من غير تكرار ولا ربع هذا المقدار، بل ولا نصف الربع ولا الثمن، المقصود أنه يصفو من صحيح السنة الزائد على الصحيحين الشيء الكثير، فهذه الدعوة وجهها وألف فيها على أنه مجتهد لكنه أخطأ في اجتهاده، وكل دعوة تظهر على هذه البسيطة لا تخلو من مؤيد؛ ولذا وجد فرقة وطائفة تدعو إلى الاقتصار على القرآن والصحيحين، لكن مثل ما ذكرنا هذا يهدر أكثر السنة.
نعم العناية بكتاب الله - عز وجل - لا يناقش فيها أحد والعناية بكتب السنة، لا سيما صحيح البخاري ثم صحيح مسلم لا يماري في ذلك أحد، لكن ليس معنى هذا أنك تنتقص، كم من حديث صحيح في مسند الإمام أحمد لا يوجد في الستة، فضلا عن الصحيحين وغيره من دواوين الإسلام المعتبرة عند أهل العلم.
وأوردنا هذا الكلام لأن هذه الفكرة لها رواج، نعم هي فيها تيسير وفيها حصر للعلم وإدراك للعلم في أقصر مدة، لكن يبقى أن فيها تضييع وإهدار، لو إنسان قال: أنا أقتصر الصحيحين قراءة ودراسة وإقراء وفهما ما يلام، لكن لا يتضمن كلامه هذا إهدار لبقية الكتاب.
بالطرف المقابل هذا أيضا مما يعاب على بعض المتعلمين شغفهم بالإغراب؛ فتجد بعض مبتدئي الطلبة يعنى بأجزاء غير معروفة، معاجم غير مشهورة .. مشيخات .. مسلسلات .. ما فيها طرق لأحاديث أصولها معروفة، ولا يلام من بدأ بالأهم فالمهم كما يقول الشيخ حافظ -رحمه الله تعالى- في قصيدته الميمية:
بالمهم المهم ابدأ لتدركه ... وقدم النص والآراء فاتهم
اتهم الآراء، نعم، لا تذهب إلى الإغراب، تذهب إلى جزء كذا وجزء كذا، مشيخة كذا، معجم كذا، وأنت لا تعرف الصحيحين، هذا خلل في منهجية التحصيل، وقل أن يفلح من يتخبط بمثل هذه التخبطات، ويترك الأهم ويذهب إلى ما دونه، فطالب العلم يوصى بأن يعنى بكتاب الله - عز وجل - الذي مجرد تلاوته عبادة، ثم بعد ذلك يثنّي بأصح الكتب بعد كتاب الله - عز وجل - وهو صحيح البخاري، ثم يثلث بصحيح مسلم، ثم باقي السنن، ثم المسانيد إلى آخره.