ما عَارَضَهْ نَصٌّ كَمِِثْلِهِ، يعني: في القبول، وعلى هذا .. فالضعيف لا يعارض به المقبول لا الصحيح ولا الحسن.
كَمِِثْلِهِ بِحَيْثُ نَاقَضَهْ. ناقضه في المعنى، ونعلم أن التعارض بين النصوص لا يمكن أن يوجد في الحقيقة، التعارض المعنوي الحقيقي في الباطن لا يمكن أن يوجد، قد يوجد في الظاهر بحسب فهم أهل العلم، بحسب الفهم من الحديثين المتعارضين؛ لكن في الحقيقة لا يوجد حديثان صحيحان متعارضان؛ ولذا يقول ابن خزيمة -إمام الأئمة-: لا يوجد حديثان صحيحان متعارضان، فمن كان عنده فليأتني لأؤلف بينهما. ابن خزيمة اشتهر في هذا الباب، ونقل عنه أمور كثيرة في هذا الصدد، وتراجم الأبواب في صحيحه فيها شيء من هذا، جمع بين الروايات المختلفة، وهذه ميزة في الكتاب، ونقل عنه في هذا الباب أشياء، ومختلف الحديث ألّفت فيه الكتب، وأول من كتب فيه .. الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في ثنايا كتاب"الأم"و"الرسالة"، وفي"الأم"جزء سماه: اختلاف الحديث، منهم من يرى أنه تصنيف مستقل في هذا الشأن، ومنهم من يراه بابا من أبواب"الأم".
وعلى كل حال .. الكتب في الباب موجودة،"اختلاف الحديث"لابن قتيبة،"مشكل الحديث"،"مشكل الآثار"للطحاوي، و"مشكل الحديث"لابن فورك؛ لكن ينبغي أن يُعنى في هذه المسائل وفي غيرها بكتب أهل السنة، فإذا أشكل عليك حديث معارض لحديث آخر ترجع إلى"مشكل الحديث"لابن فورك وهو لا يسلم من شر البدعة، قد يجمع بين النصوص من وجهة نظره، فلنكن على حذر من هذا، ولتكن عنايتنا بالأئمة أهل التحقيق.
ابن خزيمة -رحمه الله تعالى- مع أنه عرف في هذا الباب، ونقل عنه أشياء؛ إلا أنه ليس بالمعصوم من الخطأ، حكم على حديث ثوبان، حكم على حديث: لا يؤمّن رجل قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم هذا حديث حسن لا يؤمن عبد قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم قال: هذا الحديث موضوع. لماذا؟ قال: لأنه معارض لما ثبت في الصحيحين من قوله -عليه الصلاة والسلام-: اللهم باعد بيني وبين خطاياي ويقول -عليه الصلاة والسلام- بين السجدتين: رب اغفر لي .. رب اغفر لي فهذه الأحاديث الصحيحة معارضة له، إذن .. ما هي صحيحة، يعني: خفي عليه وجه الجمع بينهما، ومن هذا نعلم أنه مهما أشيد بعالم أو بإمام، ومهما بلغت منزلته ورسوخ قدمه في العلم؛ إلا أنه لا بد أن يقع منه الهفوة والزلة، ولا بد أن يجانب الصواب في مسائل؛ لأنه ليس بمعصوم.