والترجيح قد يكون باعتبار القائلين، لا باعتبار القول، ولا باعتبار دليله.
نظرت في أدلة .. عندك خلاف بين الإمام أحمد مثلا، وقول الأوزاعي مثلا .. هذا عنده دليل، وهذا عنده دليل، نظرت في الأدلة متكافئة من كل وجه، كيف ترجح؟ أنت مستصحب أن الأمام أحمد أولى بالتقليد من الأوزاعي مثلا .. أنت رجحت باعتبار القائلين، وهذه قشة قد يلجأ إليها بعضهم! ولذا لما ذكروا أصح الأسانيد، وأن المعتمد عند أهل العلم الإمساك عن الحكم على سند ما بأنه أصح مطلقا، ولذا يقول: الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
.... والمعتمد
إمساكنا عن حكمنا على سند ... بأنه أصح مطلقا وقد
خاض به قوم فقيل مالك ... عن نافع بما رواه الناسك
إلى آخره.
يقولون: حتى مع كونه المعتمد .. أن هذا هو المعتمد .. لا نخوض ولا نحكم بسند بأنه أصح الأسانيد، وهذه مسألة سبق بحثها.
إذا كان المعتمد هذا، فلماذا تذكر هذه المسألة؟ قالوا: تذكر للترجيح باعتبار القائلين.
الإمام البخاري رجح مالك عن نافع عن ابن عمر
وجزم ابن حنبل بالزهري ... عن سالم أي عن أبيه الْبَرّ
فأنت إذا رجحت بين هذين الاثنين، رجحت باعتبار القائلين.
وإذا نظرت مثلا إلى حديث ابن عمر في رفع اليدين بعد الركعتين، هو عند الإمام البخاري مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي نقد الإمام أحمد: موقوف. فأنت ترجح باعتبار القائلين، وهذه يحتاجها الذين هم في الأصل مقلدة ومتبعة، يتبعون الدليل، لكنهم إذا أشكل عليهم شيء من هذا، ولم يستطيعوا الترجيح مالوا مع من يرونه .. أو الأقوى.
إنْ لَمْ تَجِدْ مِنْ هَذِهِ شَيئًا فَقِفْ ... فِي شَأْنِهِ حَتّى عَلَى الْحَقِّ تَقِفْ
(حَتّى عَلَى الْحَقِّ تَقِفْ) حتى تجد مرجح.
ودون بُرهَانٍ بِنَصِّ لا تَرُد ... نَصًّا فَإِنَّ بَعْضَهَا بعْضًا يَشُدْ
(ودون بُرهَانٍ بِنَصّ) لا بد أن يكون المعول عليه: البرهان- وهو الدليل الشرعي- لا تَرُدَّ نصا دون برهان .. لا ترد نص بنص، لا ترد نصا بنص بدون برهان، ودليل، ومرجح لأحدهم على الآخر.