فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 424

بالشمال؛ والمقصود الأعظم قد حصل. يؤيد ذلك الحديث المخرج في صحيح البخاري: ما يسرني أن لي مثل أحد ذهبا؛ تأتي علي ثلاث وعندي منه دينار إلا دينارا أرصده لدين؛ حتى أقول فيه: هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله، ومن أمامه ومن خلفه. هذا كناية عن كثرة الإنفاق؛ وبهذا نصون الصحيح من دعوى القلب، والمقلوب من الضعيف. وإذا أمكن تخريج الخبر على وجه يصح؛ لا شك أنه يتعين؛ لأنه يترتب على عدم التخريج توهيم الرواة، والمسألة مفترضة الآن في رواة الثقات رواة الصحيح الذين قال كثير من أهل العلم: إنهم جازوا القنطرة.

مما حكم عليه بالقلب: حديث البروك: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه وهو أرجح من حديث وائل: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبته قبل يديه؛ لأن الأول له شاهد من حديث ابن عمر.

على كل حال .. من حيث الصناعة حديث أبي هريرة أرجح من حديث وائل. وقرر ابن القيم -رحمه الله تعالى-، وأطال تقرير القلب في حديث أبي هريرة، وأنه مقلوب؛ لأنه -على رأي ابن القيم- يكون إن لم يحكم بقلبه يتناقض؛ آخره يهدم أوله؛ لأن البعير إذا برك يقدم يديه قبل ركبتيه. ابن القيم لما اقتنع بهذا .. أجلب عليه في"الهدي"، وأطال في تقرير القلب، وأنتم تلاحظون من أنفسكم ومن غيركم أنه إذا علق شيء بذهن الشخص، وحال دونه ودون فهم الحديث على وجهه انقفل الذهن، صار ما يحتمل قولا آخر؛ لأنه في بادئ الأمر البعير يقدم يديه قبل ركبتيه. فكيف يقول: وليضع يديه قبل ركبتيه؟ يقول -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث وائل: أنه إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه ونقول: ليس في الحديث قلب، وليس فيه تعارض، ولا تضاد، ولا أدنى إشكال، ولله الحمد.

متى يقال: برك البعير؟ يقال: برك البعير إذا نزل على الأرض بقوة. يقال: برك البعير، وحصحص البعير إذا فرق الحصى، وأثار الغبار. من البرك؛ لكن الذي يصلي إن فعل هذا الفعل؛ بحيث نزل على يديه بقوة، وثار الغبار، وفرق الحصى، وخلخل البلاط، تسمعون البلاط يرتج، نقول: برك مثل ما يبرك البعير؛ لكن لو قدم يديه، وضع يديه قبل ركبتيه مجرد وضع على الأرض، نقول: لم يبرك مثل بروك البعير، وامتثل الأمر، وضع يديه قبل ركبتيه. ما فيه قلب، يعني: نفرق بين البروك وبين مجرد الوضع، يعني: أنت لو قيل لك -مثلا-: ما حكم وضع المصحف على الأرض؟ تقول: جائز؛ وضع المصحف على الأرض جائز؛ لكن إلقاء المصحف على الأرض؟ هذا استخفاف بالقرآن، يصل إلى حد عظيم عند الله تعالى، يعني: ما فيه فرق بين هذا وهذا. مجرد وضعه على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت