فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 233

أثبتناه عنه من قبل بأن الكلمات علاقات، لا معان، فكيف تصير الآن معاني خاصة إذا تفحصنا ذلك فوجدنا أنه استعمل قبل"معاني الكلمات"مباشرة"علاقات"وهكذا تصبح هذه الجملة (ص 39) رغم تماشيها الكامل مع مفهوم الجرجاني تعثرًا باتجاه بناء نظرية المعنى عند الجرجاني وبالذات إذا عرفنا أن كمال أبو ديب قد أكد من قبل أن اللغة علاقات (27) .

وفي هذا السياق نلاحظ أيضًا تعثرًا آخر كما يبدو لنا من قوله:"مضمون دلالي لبنية تركيبية" (ص 44) . وظاهر هذه الجملة يوحي بأن العمل الأدبي يتحرك في ثنائية الشكل والمضمون، إذ أننا نرى أن"مضمون"التركيب يتحرك في المستوى العميق للدلالة مع"المعنى"، أي الإحالة إلى شيء مخصوص في حين أن بنية تركيبية هي بنية هذا المضمون.

أمّا إذا تجاوزنا هذا التعثر الظاهري وعرضنا فكرة أبو ديب على مقاييس ل. يلمسلاف، فإننا يمكن أن نقول بثنائية مستوى التعبير ومستوى المضمون، وهنا عوض أن نكوّن بنية نقدية فإننا نقوم بتحليل لمستويات الخطاب الأدبي وذلك في إطار محاولة بناء نظرية الجرجاني.

وتتبدّى علاقة النّحو بالبناء عند كمال أبو ديب في قوله:"إن معنى التعبير يتولد من علاقات التركيب الاستبدالية الموجودة بين عناصر مختلفة" (ص 75) . وهكذا تقترن البنية بالنّحو ويصير من أهمّ مميزاتها. ولعلّ هذا هو ما قصد إليه الجرجاني بقوله"إن النحو في الكلام كالملح في الطعام". وهو ركن مهم في بناء التعبير كما رأينا.

ولا يتوقف دور النحو عند بناء الخطابات الأدبية السليمة أي التي تطابق العرف العام، والتي تكون من وجهة نظر المنطق صادقة بل إنها تشكل أيضًا بعدًا مهما في الخطاب الإبداعي. وقد نقل الجرجاني المقولات النحوية والمنطقية من مستوى الكلام"الصحيح"إلى مستوى الاستعارة والمجاز التي تعتبر عدولًا عن القاعدة النمطية.

وقد رأى كمال أبو ديب أن دراسة الشكل النّحوي والتركيبي للاستعارة هي من دون شك من طبيعة العمل الذهني (ص 251) .

وهذا يبين أن الجرجاني قد أخضع هذه القضية إلى مقاييس العقل وأن القواعد النحوية وشروط التركيب يجب أن تحترم أيضًا في الخطابات الإبداعية التي هي خطابات استعارية بالدرجة الأولى هدفها الأوّل والأخير هو التمايز عن الخطاب العادي والنمطي وذلك عن طريق إبداع الصور والاستعارات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت