يعود تراجع الأدب وانكماشه داخل أطر ضيقة وفضاءات محدودة إلى أزمة في القراءة وأزمة في الفهم، ذلك أن القارئ صار يقبل على النص بخلفية جاهزة وطروحات معدة سلفًا تم إنتاجها داخل سياق مخصوص ثم يحاول بالتالي تطويع النص لها.
إن القراءة الجاهزة الماقبلية تلغي خصوصية النص الأدبي وتجهض تاريخيته لأنها تجعل كل النصوص تساوي"الواحد"، أي تختزل مجموع الإنتاج الأدبي في نص واحد، ووظيفتها تقتصر على التفتيش عن الأشياء المألوفة والأنساق المتحجرة متجنبة بذلك كل الأسئلة الشائكة والممتعة، فهي بجهلها لقوانين الكتابة والطبيعة الرمزية للأدب ترى أن كل النصوص متشابهة وتتنفس بذات الطريقة وبالتالي للأدب، تتم هذه القراءة من الذاكرة وليس من واقع النص إن هذا الوضع المأزوم يجعلنا نتساءل: من ألغى الآخر هل هو النص أم القارئ؟.
إن القراءة التي يكون منطلقها هو الذاكرة يمكن اعتبارها مجرد"عادةً"وليست ممارسة فعلية وواعية للعمل الحضاري الذي هو الكتابة. إن القراءة العادة تعتمد على النص كوسيلة لا غير، في حين تعني ممارسة القراءة الأشتغال على النص كلغة وكبناء وترصد دلالاته وتحولاته.
إن ممارسة القراءة تعني-فيما تعنيه- تجاوز كل معيقات الفهم للانتقال من التلقي السلبي إلى طرح الأسئلة الجدية وتفكيك الخطاب لتفحص أسراره والأشياء