فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 233

النفسية لتحديد جمال وتعبيرية البناء (ص 31) . ومن هنا يربط النظام كإبداع بالقدرات النفسية لمنشئ الخطاب، ويصبح في الخيال يعمل ليس فقط على تشكيل الصور المحسوسة مباشرة أو التي تحضر بسرعة ولكنه (أي الخيال) لا يلتزم بصورة نشيطة بإعادة خلق كل الصور التي تدركها الحواس، بل التي تتحملها النفس (ص 272) . من هذه الملاحظة نكتشف مدى اهتمام الجرجاني بالجانب النفسي في إنتاج الخطاب الأدبي وتأويله.

5 -السياق والمعنى:

إن اهتمام الجرجاني لم يكن منصبًا على العلاقات النّصية (العلاقات بين الكلمات، قوانين النظم .. ) بل أظهر كذلك اهتمامًا بالعلاقات السياقية متمثلًا في العلاقات الكلية بالعمل الأدبي، والسياقات النفسية. ولعلّ هذا ما يمكن ربطه بفهم الجرجاني للمعنى بصفته ينبني على طبقتين، كما أوضحنا، فيكون المعنى الأوّل جليا من خلال العلاقات النصية، ومعنى المعنى في العلاقات الكلية للعمل الأدبي.

انطلاقًا من هذه الفكرة يرى كمال أبو ديب أن الجرجاني يقول أن أي عنصر لا يتحدّد مفهومه إلا من خلال الدلالة الكلية والموقع الذي يحتله داخل النسق (ص 29) .وهكذا يصبح السياق مهمًا في فهم العلاقات النّصية ومن ثمة دلالة العمل الأدبي.

وهذا المفهوم ليس مفهومًا نظريًا فحسب ولكنه مفهوم عملي وقد طبقه الجرجاني ذلك أنه"كان يباشر تحليل البيت ويدلّل على جمال الكلمات وقوتها عن طريق تفاعلها وتأثير كلا من السياق اللغوي وغير اللغوي على هذه الكلمات" (ص 41) . هذا ما أثبته كمال أبو ديب.

لكن إذا ما رجعنا إلى كتب الجرجاني فإننا نلمس هذه الحقيقة وندهش للتحليل المحكم الذي مارسه الجرجاني على النّصوص الأدبية حيث كان يعمد إلى البيت فيحلله بنيويًا: دراسة الكلمات، نظم هذه الكلمات، دلالتها، ثم بعد ذلك ينتقل إلى دراسة السياق فيفسّر البيت ببيت آخر لشاعر من بيئة مختلفة ويضاعف الأمثلة لهذا الغرض، وهكذا يستطيع أن يخلق سياقًا أدبيًا متكاملًا.

وتمثلت جرأة الجرجاني خاصة في دراسته لقضية إعجاز القرآن الكريم حيث أرجع جمال القرآن إلى تركيبه ودقة معانيه وليس لجدّة أو غرابة ألفاظه، فكان يلجأ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت