فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 233

في الفكر النقدي الإنساني. هذه القضية هي القول بالسياق النفسي لإنتاج الخطاب الأدبي والفني يقول أبو ديب:"إن مفهومهما -الجرجاني وريتشاردز- للمعنى ونظم الكلمات يتأثر بالموقف النفسي للمتحاطيين" (ص 46) هذه القضية كذلك تكاد تكون من البديهيات في البلاغة العربية القديمة التي تقول"بمطابقة الكلام لمقتضى الحال"أي ما يسمى"بالبراجماتيزم".

وهذه الفكرة تنازعتها في الفكر المعاصر مدرستان: علم الاجتماع اللغوي الذي من مهامه دراسة اللغة كظاهرة اجتماعية ترتبط في مدّها وجزرها بالظروف الاجتماعية للجماعة التي تتحكم بتلك اللغة.

والمدرسة الثانية هي مدرسة"البراجماتيك"التي رسم حدودها شارل بيرس، والتي تعنى بدراسة السياق السوسيو- نفسي الذي يتحرك فيه مرسل الخطاب ومتلقيه، أي العلاقة بين الرّمز ومستعملي هذا الرمز.

يقول الجرجاني في هذا الصدّد:"ترتيب الألفاظ في الذكر على موجب المعاني في الفكر" (ص 15 - الأسرار) . لعلّ هذه الفكرة المتواترة بكثرة عند ريتشاردز مع قوله بمعنى المعنى الذي جاء في نفس النسق النقدي عند الرّجلين هو ما جعل أبا ديب يقرّب فكر الرّجلين إلى حدّ إدماجهما كما رأينا، ولكن هذا لا يسمح لنا بإلغاء خصوصية كل واحد منهما.

ولعلّ من طوّر البحث في هذا الاتجاه، أي ربط النظم اللغوي بالسياق النفسي هو العالم اللغوي ج-فنداريس JVendrys في كتابه"اللغة"وقد نال هذا الكتاب حقه من المناقشة عند العرب.

ولكن الجرجاني يبقى في فكره أقرب إلى ريتشاردز -كما لاحظ ذلك كمال أبو ديب- منه إلى مدرسة كوبنهاجن أو فنداريس وذلك لأنّه يلتقي معه في نقطتين:

1 -قوله بانبناء المعنى الأدبي على طبقتين: أ- المعنى و ب- معنى المعنى.

2 -الاعتناء بالسياق النفسي الذي يتمّ فيه إنتاج الخطاب أو تلقيه.

ويوضح كمال أبو ديب هذه القضية عندما يقول:"تتحدّد العلاقة بين عناصر المعنى بالحالة الداخلية للمتكلم ومزاجه النفسي وكثافة ردود الفعل العاطفية" (ص 29) . وهكذا يربط الجرجاني بناء المعنى بكثافة ردود الفعل العاطفية ويصبح مفهوم النظم (البناء) ذا سياق نفسي حين يستعمل المقاييس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت