أبسط تعريف للاستعارة هو أنها انحراف عن القاعدة أو عدول، لكن الجرجاني يقارب هذه القضية بجدية كبيرة محاولًا الغوص في أسرار التركيب الاستعاري ليكشف عن الأنساق الاستعارية وبنائها للسياقات الأدبية لتتماشى مع البنية الأذهنية لجماعة لغوية وثقافية محدّدة.
يحدّد كمال أبو ديب منطلق عبد القاهر الجرجاني في دراسة الصورة الشعرية عندما يقول:"دراسة الجرجاني للصورة تمثل جزءًا من دراسته لطبيعة المعنى والنظم" (ص 230) وهذا يعني أن الصورة لا يمكن أن تكون مستقلة عن النظم، وقد أكدت الدراسات النقدية الحديثة هذه الحقيقة لأن الصورة هي في الواقع نسق لغوي له طابع اقتصادي بالدرجة الأولى، أي الاقتصاد في الكلام، واستعمال عدد قليل من الرموز للتعبير عن موقف معين.
وبما أن الجرجاني لا يرى العمل الأدبي إلاّ كمجموعة من العلاقات أي كدلالة كمية فإنه يعتبر الصورة جزءًا من بنية المعنى (ص 79) ، وهكذا يكون معنى الصورة متضمنًا في بنية الصورة ذاتها وليس في شيء خارج عنها. وهذه الحقيقة نلمسها من خلال تصفحنا لكتابه"أسرار البلاغة"خاصة حين تعرض بالحديث لأنواع الاستعارات مركزًا على وجه الخصوص على الاستعارة التخييلية لكونها تمثل - حسب رأيه- قمة الإبداع الأدبي.
من هنا نخلص إلى تعريف الجرجاني للاستعارة كما فهمه كمال أبو ديب الذي يقول:"تعتبر الصورة إنتاجًا ذهنيًا يذكر بجزء من الأحاسيس الماضية الناتجة عن إدراك حسي" (ص 81) .
هذا التعريف لا يقدم شيئًا على مستوى التكامل البنيوي لأنه لم يعرّف الصورة بطريقة كافية مقنعة لأنها تارة ذكرى (تذكر) وأخرى إحساس وثالثة إنتاج ذهني، ولذلك نجده يعود إلى تعريفها في الصفحة (100) حيث يقول:"الصورة هي تحقيق أدبي أو شعري للمعنى"وبهذا تصير فعلا من أفعال الخيال.
بعد ذلك ينتقل كمال أبو ديب إلى تحليل أنواع الصورة كما مارسها الجرجاني ثم يأتي على كل التسميات التي لا يجهلها أي واحد له أدنى إطلاع على فروع البلاغة العربية القديمة: أنواع الاستعارة، تقسيمات المجاز، التشبيه إلى غير ذلك، هذه قد لا تكون ذات أهمية لكنها تصلح كمواد أساسية لإعادة بناء نظرية الجرجاني.