فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 233

المساعدة في إنتاج التاريخ، ولكن المعتمد في هذا السياق هو القصد من إنتاج الخطاب اللغوي، أي ما الذي قصد إليه مرسل الخطاب، هل أراد أن يقول الشعر أو أن يكتب التاريخ.

هناك بعض الشفرات وبعض العلامات التي تساعد في ثقافة محددة على إبراز صدور جنس كتابي معين، أي ما يعرف بقوانين الكتابة بالنسبة لكل جنس في ثقافة معينة، فنعرف من خلالها هل نحن في مواجهة نص تاريخي أم في مواجهة نص شعري، قد يتدخل هنا مصطلح الانطباع وهو المفهوم الذي شددت عليه الدراسات الاستقبالية ونظريات التلقي وجعلته في صميم اهتماماتها.

كما أن الشعر يمكن أن يتميز عن التاريخ في كونه يندرج ضمن منظور جمالي وقنوات تعبيرية تحاول أن تتجاوز الاستثنائي والمبتذل إلى تأسيس القوانين العامة التي تتحكم في المجتمع والثقافة، في حين أن التاريخ لا يبحث في الكليات بقدر ما يؤكد على فردية الأحداث وفرادتها وعدم قابليتها للتكرار وبذلك يحصر التاريخ خطابه في حدود السياق الذي أنتج الأحداث، ويبقى أسير النظرة الأحادية للأحداث في حين أن الشعر يتجاوز آنية الحدث لربطه بالسياق الإنساني والقبض هي جوهره ودلالاته.

2 ـ الشعر والتاريخ:

منذ القديم انتبه أرسطو ـ وهو شيخ منظري الأدب ـ إلى العلاقة التي تربط الشعر بالتاريخ ومقارنتهما بالفلسفة وذلك في الفصل التاسع من كتابه"فنّ الشعر"وانتهى إلى الانتصار للشعر على التاريخ، باعتبار أن الشعر أكثر فلسفية من التاريخ، لأن الشعر يتنبأ بالأحداث التي يمكن أن تحدث، أي يتكلم عن العام، في حين أن التاريخ يحكي ماحدث حقيقة وهو بذلك يؤكد الخاص والفردي، والفقرة (1451 ب) تؤكّد ذلك، والفرق بينهما ـ كما يرى أرسطو ـ ليس في أن الأول يكتب موزونًا والثاني منثورًا، لأن التاريخ يمكن أن يكتب على صيغة نظم كما هو الشأن في أعمال المؤرخ هيرودوت.

إن طرح أرسطو لهذه الإشكالية النظرية وبحدّة يؤكد على أن إطار الشعر هو إطار تاريخي اجتماعي ولا يمكن للشعر أن ينفصل عن هذا الإطار حتى لو ادعى ذلك، وقد عرفت المسيرة الشعرية الإنسانية بعض محاولات تمرد الشعر على التاريخ وعلى المجتمع مثل محاولات"الفن للفن"، والرومانسية؟ وما فوق الواقعية ولكنها في الحقيقة لم تتعد كونها تنويعات وأصداء لفترات تاريخية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت