فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 233

وثائق ونقوش ونقود، وآثار عمرانية فإن الشعر يمكن أن يكون أداة مساعدة، لأنه أوَّلًا تاريخ الذهنيات السائدة ويعكس ميولها وأذواقها، ولأنه ثانيًا يعكس وضعًا اجتماعيًا وتاريخيًا معينًا.

أما الأدب العربي فإنه لم يعرف هذا الجدال النظري حول علاقة التاريخ بالشعر إلا في العصور الإسلامية المتأخرة، ذلك أن الشعر كان هو السائد في المجتمع العربي الجاهلي وقد جسد الشعر هذه العلاقة في أشعار الجاهليين التي خلدت"أيام العرب"وحروبهم مع جيرانهم بالإضافة إلى النزاعات المحلية مثل حرب"داحس والغبراء"التي استمرت زهاء نصف قرن وحرب"البسوس"وهناك أيضًا"لامية العرب"للشنفرى التي عبرت عن مرجعية تاريخية محددة في حياة المجتمع العربي، ويمكن أيضًا اعتبار"نقائض"جرير والفرزدق"و"جمهرة الشعراء"الذين تحلقوا حولهم أنها تاريخ المجتمع الأموي على مدى أربعين سنة، كما تعد"إلياذة الجزائر"لمفدي زكريا تاريخًا للجزائر منذ فجر الإنسانية إلى يوم الناس هذا، وغياب مثل هذه النظريات حول الأدب والفكر يعود إلى طبيعة الحياة البدوية غير المستقرة كما أن الحكمة التي تعتبر فلسفة الإنسان العربي كان الهدف منها استخلاص العبر التاريخية ومحاولة إيجاد نظائر لها في المجتمع."

تعتبر كل من التراجيديا والملحمة من أهم المصطلحات النقدية التي تواترت كثيرًا في كتاب فن الشعر لأرسطو، وهما في الحقيقة جنسان أدبيان راجا كثيرًا في سياق الثقافة الإغريقية التي ساد فيها تكريس الأبطال والآلهة وأنصاف الآلهة- والتراجيديا والملحمة كما عرفهما أرسطو ـ يعبران عن الأفعال السامية التي يقوم بها الأبطال والآلهة ومهمتهما التخفيف من فائض العواطف الشفقة والرحمة (وظيفة التطهير) ، ويعتبر تنظير أرسطو لهذين الجنسين الأدبيين بمثابة رد غير مباشر على تعسف أستاذه أفلاطون حين طرد الشعراء من جمهوريته الفاضلة بدعوى أن الشعر يفسد الأخلاق وأنه محاكاة المحاكاة، أي محاكاة من الدرجة الثالثة، وأعطى مثلًا لذلك عندما قال بأن الكرسي هو في الأصل عبارة عن فكرة ألهمها الله للإنسان ثم جاء النجار فحققه بالخشب (أي يحاكي الفكرة الماثلة بذهنه) ثم يأتي الشاعر ويحاكي كرسي النجار وهكذا يكون عمله هو محاكاة من الدرجة الثالثة، واهتمام أرسطو بالملحمة يريد أن يبين مساهمة الشعر في إبراز الجوانب الإنسانية والهدف منه هو"التطهير"، أي أنه يتكلم عن أناس فضلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت