مباشرة في حين أن بنية اللغة التاريخية هي بنية حقيقية تقترب من اللغة العلمية التي يصير فيها الدال الواحد يحيل إلى مدلولها الوحيد ولا يتعداه إلى غيره، ووظيفتها هي تبليغ معرفة إنسانية (غابرة خاصة ومنتهية، حيث الحدث فيها قد تم اكتماله منذ فترة وتحددت مساراته واتضحت قسماته) ، ودلالاتها هي دلالة تاريخية اجتماعية، في حين أن دلالة اللغة الشعرية دلالة فنية جمالية.
هذا فيما يخص ماهية الخطاب الشعري والخطاب التاريخي.
أما فيما يخص طبيعة الخطابين فإن الشعر هو عبارة عن أشكال تعبيرية جمالية في تحول مطرد ولا تخضع لبنية قارّة، كما أنها لا تخضع لأي منطق وضعي غير منطقها الداخلي ولا تعتبر إلا بالرجوع إلى النصوص الشعرية السابقة عليها والمتزامنة، فميزة هذه الأشكال أي أنها متجددة باطراد ولا تكرر الواحدة الأخرى إلا بغرض الاحتذاء أو المعارضة أو غيرها من الأسباب الثقافية والجمالية، فالقارئ لا يقرأ القصيدة إلا من خلال التراث الشعري ككل بوثباته وانكساراته.
أما فيما يخص طبيعة الخطاب التاريخي فإننا يمكن أن نقول عنه أنه نسق من الأقوال أو الأفعال، وهو بذلك يخضع لقانون السببية ويتبع في عرضه للأحداث خطًا أحادي الاتجاه ويسير من الخلف إلى الأمام أي من الماضي إلى الحاضر، والتاريخ كشكل من أشكال التواصل يحاول أن يدمج هذا النسق من الأقوال والأفعال في حاضر المجتمع وجعلها قوة فاعلة فيه ومحركًا له للتجاوز والتجدد، لا أن يصير التاريخ عبئًا وإرثًا ثقيلًا على المجتمع مثلما يحاول بعض"المؤرخين"النبش في سوءات ماضيهم والترويج للنقاط المظلمة في تاريخه قصد بلبلته وهز شخصيته، ولكن التاريخ ـ هو في الحقيقة ـ تلك القوة الإبداعية والفاعلة في ترقية الفرد والمجتمعات، نقطة أخرى يتقاطع فيها الخطاب التاريخي مع الخطاب الشعري هي تداخل الحقلين واستفادة كل منهما من الآخر، فعلم الأدب يعتمد على منهجية تاريخية ويستعير أدواته ومفاهيمه عندما يتحدث عن تاريخ الأشكال الأدبية وهنا ـ بقصد أو بغير قصد ـ يربط هذه الأشكال ويُفسر قوانين الشعر بالقوانين التي تتحكم في المجتمع والثقافة والتاريخ.
أما التاريخ فإنه من جهة أخرى يعتمد على الشعر أي ما قاله الشعراء في فترة معينة لإعادة تركيب الخطاب التاريخي واعتبار الشعر كأداة مساعدة على ذلك، لأن الحقائق التي يعرضها الشعر سواء كان قاصدًا إلى ذلك أو غير قاصد هي حقائق كلية لا يمكن للتاريخ أن يتنكر لها، وفي غياب الأدوات العادية من