مثلًا: ما الذي أجاز للشاعر أن ينظم النظر الشعري الأول من هذه القصيدة بهذه الكيفية"الدمعة وجه الأرض"ونتساءل ما هو القانون (التجوز) الذي خوّل له وضع هذه الكلمات بجنب بعضها البعض، أي ما هي القاعدة التي اعتمدها الشاعر في وصف هذه الكلمات وتصفيفها بهذه الكيفية؟.
والبحث في هذا المضمار يجرّنا إلى الحديث عن البحث في الرموز الثقافية الموجودة في ثنايا القصيدة، هذه الرموز تساعدنا على البحث في مكوّنات القصيدة وأبعادها الدلالية.
هناك بعض الكلمات التي لها دلالات ثقافية تطلعنا على عالم القصيدة بالإضافة إلى التركيبة الثقافية للشاعر وهذه مهمة جدًا في ضبط بعض الأمور التي تتعلّق بدراسة الجانب الرمزي في المستوى العميق للقصيدة.
البحث في سيكولوجية القصيدة يعني إعادة تركيب التجربة الشعورية لهذه القصيدة وبدون هذه العملية يصبح النقد بعيدًا عن السياق النفسي والشعوري للقصيدة، وفهم الحالة الذهنية للقصيدة يتطلّب القدرة على الانغماس في العالم النفسي للشاعر واستحضار الحالة النفسية للشاعر خلال كتابته لهذه القصيدة، وفهم الحالة الذهنية هو القدرة على استعادة الجو الشعوري ومعايشته من جديد ولا يتم ذلك إلا إذا استطاع الناقد أن يلم بمثل الظروف والملابسات التي رافقت ولادة القصيدة، وبدون هذا الفهم فإننا ننزع القصيدة عن سياقها النفسي ونحيلها إلى تراكم لغوي يفتقد إلى الحسّ الشعري.
من هذا المنطق يتقابل الناقد مع القصيدة كأنه يتعامل مع هيكل فارغ لا يستند إلى أي سياق نفسي أو ثقافي أو اجتماعي وينظر إلى القصيدة على أنها شكل ولكن بدون معنىً، في حين أن معايشة القصيدة من الوجهة النفسية تتطلّب من الناقد استبصار الجو النفسي الذي يعتبر المحرّك الأول لها.
لأن كل قصيدة ـ كما بينت ذلك نظرية الإبداع عند المحللين النفسانيين ـ هي نقطة الارتكاز التي بَلَغَتْها نفسية الشاعر في حالة من التوتر القصوى، لذلك لا يجوز أن نتجاهل هذه الناحية عند تناولنا قصيدة معينة، ولم تخل البلاغة العربية من بعض اللمحات في هذا المجال وخاصة على يد عبد القاهر الجرجاني ..