(14) وأن"هذه المصطلحات زوايا تنظر منها إلى جوهر الشعر" (15) .
وإلى هذا الرأي تذهب إلفت كمال الروبي التي أخذت هذه الفكرة عن جابر عصفور، تقول إلفت الرّوبي:"فيصبح (العمل الشعري) تخيلا من زاوية المبدع ومحاكاة من زاوية علاقة العمل الأدبي بالواقع وتخييلا من زاوية المتلقي" (16) وسنلاحظ في الفقرات اللاحقة الطابع الميكانيكي والنظرة التبسيطية في هذه المقولة. وقد لاحظت هي الأخرى تداخل هذه المصطلحات الثلاثة ونيابة بعضها البعض في عدة أحيان والسبب في ذلك أنّ هذه المفاهيم يمكن أن تفسر الطبيعة الشعرية كما يمكن أن تعدّد وظيفة العمل الشعري.
يعدّ مصطلح المحاكاة عنصرًا مهمًا لفهم نظرية الشعر عند الإغريق وعند العرب أيضًا وإن كان قد نشأ في البيئة الفلسفية الإغريقية إلاّ أنه أخذ حقه من النقاش والجدل عند الفلاسفة المسلمين.
وأصول هذا المصطلح تعود إلى الفلسفة المثالية الأفلاطونية، حيث طرد أفلاطون الشعراء من مدينته المثالية لأنهم يحاكون المحاكاة، أي أنهم صانعون من الدرجة الثالثة، ويرى أن وظيفتهم تتمثل في تمويه الحقيقة وتحويل أنظار أهل المدينة عن صناعة العقل التي تنبذه في سياسته ونظمه الاجتماعية والتربوية.
وعندما جاء أرسطو (الذي يعتبر تلميذا له) حاول نقد نظرية أفلاطون في المحاكاة، وجعل منها حجر الزاوية في بناء نظرية الشعر وأعطاها تأويلات جديدة وأضاف إليها بعدًا جديدًا هو البعد التاريخي (الفصل التاسع من فن الشعر: الشعر والتاريخ) .
"وقد سدّد أرسطو طاليس طعنته الصميمة إلى اتهام أفلاطون للشعر بأنه محاكاة المحاكاة حين تصدى للبحث عن العلاقة بين الشعر والتاريخ إن عمل الشاعر ليس مجرد محاكاة أو تمثيل أحداث أو مواقف معينة أتيح له أن يلحظها أو ابتدعها ابتداعًا أو أنه يتناولها بطريقة خاصة بحيث يكشف عن عناصرها العامة والخاصة وبهذا يلقي الضوء على جوهر الحدث أو الموقف سواء أكانا صحيحين من الناحية التاريخية أم لا" (17) .
والسرّ في ذلك يعود -حسب رأي أرسطو دائمًا- إلى أن الشعر أكثر فلسفية من التاريخ لأنه يتكلم عن العام والذي يمكن أن يحدث في أي زمان وفي أي