كولوردج فيأتي في المرتبة الثانية ويسميه أيضًا"الخيال الثانوي"وبهذه التسمية عند كولوردج تطابق الترتيب باعتبار العلاقات الهيراركية Hierarchiques. كما نلاحظ -أيضًا- أن مفهومي الخيال الشعري والخيال الجمالي عند كل من كولوردج وكانط يفصح عن الوظيفة التي يقوم بها هذا القسم من الخيال الشعري على ما يسميه فلاسفة المسلمين بالخيال تارة و"المصوّرة"أخرى.
من خلال فحصنا لمحتويات النظريات التي قيلت في الخيال سواء عند فلاسفة المسلمين في القديم أو النظريات الحديثة العربية والأوروبية يتبين لنا دور الوسيط الذي يقوم الخيال سواء على مستوى الوظيفة أو على مستوى التمفصل داخل النسق الشعري والفلسفي باعتباره وسيطًا بين الحس المشترك والعمليات العقلية المعقدة.
إذا كان مصطلح المحاكاة يوناني الأصل والخيال مشترك بين اليونان والعرب وتطوّر في سياق علم النفس القديم، فإن مصطلح التخييل عربّي المنشأ. ومادة التخييل لغويًا متكونة من عنصرين: الأوّل هو الخيال والثاني هو بنية الكلمة التي تعني جعل"الآخر"يتخيل، أي إثارة نشاطه الخيالي، والتخييل يعنى في مفهومه الواسع التأثير على المتقبل وإثارة خياله. ولكن هذه العملية لا تخلو من القصدية الفنية والأخلاقية على السواء.
والتخييل في عرف الفلاسفة هو"الإيهام ويقال له التخييل أيضًا وهو أن يذكر لفظ له معنيان قريب وغريب فإذا سمعه الإنسان سبق إلى فهمه القريب ومراد المتكلم الغريب وأكثر المتشابهات من هذا الجنس، ومنه قوله تعالى:"والسموات مطويات بيمينه"وعلى هذا تصبح"المتخيلات هي قضايا يتخيل فيها فيتأثر النفس منها قبضًا وبسطا فتنفر أو ترغب كما إذا قيل الخمر ياقوتة سيالة انبسطت النفس وإذا قيل العسل مرّة مهوعة انقبضت النفس وتنفرت عنه والقياس المؤلف منها يسمّى شعرًا" (40) ."
نستنتج من هذا التعريف قضيتين: الأولى هي الفاعلية السيكولوجية للتحيد وهي إثارة النفس وتنشيط الخيال، أي ممارسة بعض التأثير على متلقي الخطاب الشعري وهذه القضية قد تنبه لها الفلاسفة المسلمون منذ القديم بأن التخييل فاعلية نفسية بالدرجة الأولى مشحونة يقصد به معينة، أي أنها ترسم الهدف سلفًا وتوجه مشاعر المتلقي إلى وجهة معلومة سواء تنفير المتلقي من الموضوع أو ترغيبه