فيه (41) هذه القضية الأولى- الفاعلية السيكولوجية للتخييل - تمثل وظيفة الشعر كما يراها النقاد العرب، أمّا القضية الثانية التي يثيرها تعريف التخييل فتتعلق بطبيعة الشعر، وهي اعتباره تخييلا، أي النظر إلى جوهر الشعر من زاوية المتلقي (42) في حين يصبح الخيال زاوية المبدع والمحاكاة زاوية علاقة العمل الأدبي بالواقع.
أمّا ابن سينا الذي يعتبر الناقد الأوّل لنظرية أرسطو والشارح لها- ولا أقول الناقل حتى ننفي عنه كل اتهام- فقد رأى هو الآخر أن التخييل يعنى شقين من القضية السالفة وهي الفاعلية النفسية وطبيعة الشعر معتمدًا في ذلك على مقاييس العقل والمنطق. يقول ابن سينا:"ينظر المنطق في الشعر من حيث هو مخيل، والمخيل هو الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط عن أمور وتنقبض عن أمور بالجملة فتنفعل له انفعالًا نفسيًا غير فكري، سواء أكان القول مصدقًا به أو غير مصدق به فإن كونه غير مصدق به غير كونه مخيلا أو غير مخيل" (43) .
إن قضية التخييل كما يراها ابن سينا ترفد ثلاث قضايا تدخل في تعريف الشعر عند العرب: الأولى هي إثارة النفس، أي النظر إلى مصطلح التخييل واعتباره وسيلة للتأثير في المتلقي، والثانية هي اعتبار التخييل جزءا من جوهر الشعر، إذ لا يمكن أن نقول عن أي كلام أنه شعر إذا انتفى عنه هذا البعد (التخييل) ، والثالثة هي قضية الصدق والكذب في الشعر أي مطابقة أو عدم مطابقة الشعر للواقع الذي يعرضه.
وهذه القضية الأخيرة- الصدق والكذب- قد تعرض لها أرسطو وذلك في معرض حديثه عن الشعر والتاريخ وانتصاره للأوّل باعتباره أكثر فلسفية من التاريخ، وهو ما عبّر عنه بالمصطلحين: الممكن والمحتمل، مما جعل بعضهم
(44) يرى أن هذه القضية خاصية من خصائص النظرية اليونانية، وقد دار جدال حادّ حول هذه القضية- الصدق والكذب في الشعر - وهذا ربيب المدرسة اليونانية قدامة بن جعفر يرى أن هذه القضية عامة وشائعة عند كل الأجناس البشرية، وإلى نفس الفكرة يذهب ابن وهب في كتابه"البرهان في وجوه البيان"، وهذه القضية هي ما يمكن ترجمته بالفن للفن والفن للأخلاق، أو بالالتزام وعدم الالتزام، أو بالشعر في خدمة الأخلاق و"الشعر بمعزل عن الأخلاق"كما رأى بعض النقاد القدامى.
وإذا كان عبد القاهر"الجرجاني يهمل مصطلح المحاكاة اهمالًا تامًا ويكتفي بالمصطلح الآخر التخييل، لعله يريد بذلك أن يقطع الصلة بالفكر الدّخيل ويطلب"