فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 233

موضوعًا عربي النشأة" (45) ، قد ساهم في بلورة هذين الاتجاهين معلّلًا رأيه ومحاولًا التمثيل لكل قضية."

يقول الجرجاني:"وكذلك قول من قال"خير الشعر أكذبه"فهذا مراده لأن الشعر لا يكتسب من حيث هو شعر فضلًا ونقصًا وانحطاطًا وارتفاعًا بأن ينحل الوضيع من الرفعة ما هو منه عار، أو يصف الشريف بنقص وعار، فكم جواد بخله الشعر وبخيل سحاه" (46) . من هذه الكلمات يتبين موقف الجرجاني الرافض للتخييل باعتباره ضربا من الكذب وإساءة إلى الأشخاص، وهذا الموقف يتطابق مع ما جاء في الآية الكريمة"والشعراء يتبعهم الغاوون".

ويتضح هذا الموقف جليًا عندما يقارنه بالمقولة المناقضة للأولى عندما يقول:"فمن قال"خيره أصدقه"كان ترك الإغراق والمبالغة والتجوز إلى التحقيق والتصحيح واعتماد ما لم يجرِ من العقل على أصل صحيح، أحب إليه وآثر عنده، إذ كان ثمره أحلى وأثره أبقى" (47) .

وموقف الجرجاني هذا تفصيل مقولة"خير الشعر أصدقه"على الكذب في الشعر، يعود إلى سببين رئيسيين: السبب الأوّل ديني وذلك باعتبار الشعر كذب ولا ينجو من هذا الزلق إلاّ من رحم ربك، والسبب الثاني سبب منطقي، لأن الصدق أقرب إلى العقل ويمكن التأكد من صحته أو بطلانه وذلك لعرض حقيقة معينة.

رأينا عند ابن سينا أن الشعر لا ينظر إليه من ناحية أنه صادق أو كاذب ولكن من زاوية أنه مخيل، ولكنه لا يمانع -مع ذلك- أن يجتمع الصدق مع التخييل، لأن الصدق إذا جاء مع التخييل كان أقوى وأشد على نفس المتلقي. وفي تفسيره لهذه القضية يقول جابر عصفور:"إن التخييل يمكن أن يجتمع مع التصديق داخل الأقاويل الشعرية، إذ ليس بينها تناقض في الحقيقة ولكن هناك مغايرة لأن الحقيقة التي يقدمها الشعر ليست حقيقة حرفية وإنما هي تمثيل تخيلي أو موازاة تخيلية تبدو فيها الحقيقة من خلال علاقات واقترانات لها مجالها المتميز" (48) .

أمّا لطفي عبد البديع فيقول بمغايرة الحقيقة الشعرية للحقيقة العقلية، ويرى أن الجدل الذي دار حول صدق الشعر وكذبه يعود إلى تعارض يراه أصحاب هذه المقولة بين العقل والخيال وبين الأقاويل الشعرية والأقاويل الخطابية:"ولا مجال مع التخييل للكلام عن احتمال الصدق والكذب بمعناهما الساذج وقد بين ذلك حازم في كلامه على طرق العلم بما تتقوم به صناعة الشعر من التخييل وبما"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت