إن العلاقة بين عبد القاهر الجرجاني وا. أ. ريتشاردز I.A.Richards صاحب كتاب"معنى المعنى" (لندن 1921) The meaning of meaning تبدو بديهية عند الوهلة الأولى لأنهما يلتقيان في نقطتين هامتين تعتبران أساسيتين في فهم العملية الأدبية. وهما قولهما بأن المعنى الظاهري يحض معنى خفيًا لا يحصل إلاّ بالتدّبر وإعمال النظر، وهو المعنى الذي يحاول كل ناقد كشف أسراره.
أمّا النقطة الثانية فهي ربطها التجربة الشعرية بالتجربة النفسية، وهذه النقطة تعتبر أساسية ورائدة بالنسبة للجرجاني الذي لم يكن يعرف علم النفس ودراساته حول الإبداع. وقد خصصّ كمال أبو ديب نفسه لهذه القضية مقالة معمقة تحت عنوان"الصورة والفاعلية النفسية"نشرها لأوّل مرة في مجلة مواقف ثم أعاد نشرها في كتابه جدلية الخفاء والتجلي"دراسات بنيوية في الشعر العربي"وبعض عناصرها الأخرى نجدها مبثوثة في كتابه Al Jurjani,s theory، وسنحاول تتبع هذه القضية من خلال هذا الكتاب ومكانتها ضمن نظرية الجرجاني:
منذ الصفحات الأولى يكشف أبو ديب عن القرابة الفكرية بين الجرجاني وريتشاردز بقوله:"كل من ريتشاردز والجرجاني كان قد بحث في التعبير الشعري باعتباره نظامًا من المعاني" (ص 46) . ويعود المبدأ التنظيمي الذي اعتمده أبو ديب وهو قوله بأن المعنى بنية.
بيد أننا نلاحظ أن الفكرة القائلة أن المعنى بنية، أو معنى المعنى عند كل المدارس النقدية تقريبًا، الجمالية منها واللغوية في العصر الحديث خاصة، عند مدرسة كوبنهاجن التي تزعمها كل من يالمسلاف وبروندال ومدرسة النحو التوليدي عند تشومسكي ومدرسة جنيف عند سوسير وليوشبيتزر وشارل بالي.
من هذه الأمثلة نرى أن القرابة الفكرية التي عقدها أبو ديب بين الجرجاني وريتشاردز علاقة رامية، بل تدخل في ما يمكن أن يسمى بالثوابت الفكرية، وخاصة في مجال المنطق حيث تسود الثنائية صدق /كذب، ولا يمكن أن تكون منزلة بين المنزلتين إلى أو في العقل الرياضي الذي يتعامل مع البنية
الثانية (1.0) .
لذلك يحاول كمال أبو ديب البحث في قضية أكثر صلابة للربط بين الرجلين، وهي أقرب إلى الصواب من القضية الأولى التي نجدها عامة ومتواترة