وذلك قصد قراءة أدقّ وأعمق، والحسّ الشعري يعتمد على الذوق الفني ومحاولة تمثل التجربة.
إن مرحلة التعرّف على الشكل اللغوي للقصيدة تعني التمعّن في الظواهر اللغوية المثيرة للانتباه، كالتراكيب المخالفة للقواعد النحوية أو التجوّز في بعض الكلمات أو الاشتقاقات المخالفة للميزان الصرفي وبنية الكلمة العربية، أو استعمال بعض القراءات غير العربية أو التكرار، إلى غير ذلك من الظواهر التي تستوقف القارئ وتثير انتباهه وتجعله يتوقف عندها.
من بين الظواهر الملفتة للنظر في قصيدة معينة أو قطعة أدبية ظاهرة التكرار. وهذه الظاهرة ملفتة للنظر في الشعر المعاصر ممَّا اضطرَّ نازك الملائكة إلى البحث فيها في كتابها"قضايا الشعر المعاصر"وخصصت لها فصلين كاملين [1] ، وهي ترى أن التكرار يوفر للقصيدة إمكانات تعبيرية ويخلق جوًا موسيقيًا متناغمًا ولكي يكون للتكرار وظيفة يجب أن يكون وثيق الصلة بالمعنى العام للقصيدة.
والتكرار أنواع، منه: تكرار كلمة في أول كل بيت وهو يشبه النقطة في ختام كل مقطع وتكرار مقطع على كل تقطيع، وذلك لينقذ القصيدة من الرّتابة وقد يكون التكرار متمثلًا في حرف واحد كما هو الحال عند الشابي في قصيدته صلوات في هيكل الحب:
عذبة أنت كالطفولة كالأحلام كاللحن كالصباح الجديد، إلى غير ذلك إذ نلاحظ أن تكرار كاف التشبيه يقوي المعنى ويجدده في كل مرة وهو أبلغ من تكرار واو عطف النسق.
هناك أيضًا التكرار البياني كما عرفته البلاغة القديمة ووظيفته هي قرع الجرس، ويماشي الإلقاء الشعري وقد استدلَّت نازك الملائكة بثلاثة أبيات لمالك ابن الريب عندما رثى نفسه وهو يحتضر في"مرو"بعيدًا عن أهله"بالغض"التي كررها خمس مرات في شبه حمى وذلك ليدلنا عن مدى شوقه لديار أهله. نوع آخر من التكرار هو تكرار التقسيم ووظيفته هي افتتاح المقطوعة، ونصادف أيضًا التكرار اللاّشعوري، ويمثِّل كثافة الذروة العاطفية والانفعالية مثل ما هو في قصيدة
(1) نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر، ص ص 163 - 279،ط 5،دار العلم للملايين- بيروت 1978.