وإذا كانت التحولات الشكلية قد ميزت بنية القصيدة وتمثلت في انتقال الصورة الشعرية من الكل إلى الجزء بانتظام، أو الانتقال من الأنا إلى الأنت ثم دمج التجربة الذاتية في التجربة الجماعية للدلالة على عموم المصاب، فإنه علىمستوى المضمون يمثل انكسارًا في التجربة الشعرية إذ أن الانتقال من عالم الطفولة بأحلامه ورؤاه ثم المرور بالتنديد بفعل القتل ومظاهر القهر والاعتداء فالاستسلام والقبول بالهزيمة يمثل موقفًا غير مطابق لبداية القصيدة وبالتالي الذهول أمام الفاجعة وإلغاء كل الأيديولوجيات التي عجزت عن تحقيق السلام على أرض لبنان.
= نبض التاريخ / نبض الإبداع =
إلياذة الجزائر: قراءة دلالية
1 ـ اعتبارات منهجية:
يشترك كل من الشعر والتاريخ في كونهما نتاجًا فكريًا لغويًا بالدرجة الأولى ويبلغان معرفة إنسانية وتجربة وجدانية تتعلق بالإنسان في علاقته بذاته وبمحيطه، ولكنهما يختلفان من حيث المرجعية المباشرة والسياق المولد للدلالة ذلك لأن كل نمط خطابي يحيل إلى سياق ثقافي وتاريخي محدد له سماته وحدوده.
وقد ساهم الشعر في أكثر من مرة في تدوين التاريخ سواء بطريقة مباشرة أو طريقة غير مباشرة، وذلك لما يتميز به الشعر من قدرة على تجسيد الحقائق التاريخية دون أن يقصد إلى ذلك أو يجعل من الحقائق التاريخية هدفًا لقول الشعر، في حين أن التاريخ يقصد إلى تجلية الحقائق الاجتماعية أو التاريخية والتركيز على أهم المحطات في حياة الشعوب والأفراد.
وبما أن الشعر والتاريخ نتاج لغوي، أي يعتمد على اللغة كأداة للتوصيل والتبليغ. كيف نستطيع أن نميز بين الشعر والتاريخ؟، لا يمكن أن تكون التفعيلة والثقافة وحدهما كافيتين للتمييز بين هذين النوعين من الخطاب، وحتى السياق الشعري والتاريخي ذاته عاجز عن التمييز بين الخطابين لأن الشعر قد يعتمد هو الآخر ويتكئ على خلفية تاريخية، كما قد يستشهد المؤرخ بالنصوص الشعرية للتأكيد على نفي قضية أو إثباتها، وفي هذه الحالة يصير الشعر من الأدوات