فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 233

بداية إنتاجه إلى غاية وصوله إلى المتقبل"الأساسي"الذي هو الخصم. من هذه الزاوية نحس أن النقائض كأسلوب من أساليب التواصل وتبليغ فكرة ما تتجه باتجاه سهم مستقيم لا يحيد عن هدفه وهو الخصم. ولكن المتمعن لهذه النصوص يكتشف ثراءها، مما جعل أحمد سيد محمد يرى (( أن نقائض جرير وخصومه-مثلًا- وكأنها لون من ألوان المسرحيات الهزلية التي تقال لإمتاع الناس وإضحاكهم وكأنها تعبير عن حالة شعورية مفعمة بالسرور، سرور الممثل القادر على إمتاع جمهوره وسرور النّظارة كما تراه من نماذج بشرية مضحكة ) ) (15) . هذه إحدى حقائق النقائض، التي يبدو ظاهرها تطاحن وتمزيق للخصم ولكنها أيضًا تعبر عن علاقة وطيدة بين الخصمين.

وهكذا عن طريق الحديث مباشرة إلى الخصم ومنازلته شعريا، يحاول كل شاعر أن لا يجعل قصيدته وحيدة الاتجاه ولكنه بوسائل خاصة كالإضحاك مثلًا، أو البحث في حياة القبائل والأفراد، او تصوير حالة إنسانية عامة، بهذه الوسائل يحاول إشراك القارئ والمتقبل في تقبل النص الشعري.

أ-رحلة البداية:

سنحاول في هذه الفقرة والتي تليها تحليل النقيضتين رقم 65 - 66 حسب ترتيب أبي عبيدة التيمي، وعند تحليلنا للنموذج النظري سنحاول مناقشة هذا الترتيب وتقديم مقترحات بهذا الاتجاه.

النقيضة الأولى التي سنحللها هي نقيضة جرير (653؟ - 733) المكنى أبو حزوة المجاشعي التميمي. ويلتقي عند هذا النسب"تميم"مع خصمه الفرزدق وهذه النقيضة العينية (قافيتها عينية) تقع في سبعين بيتا، حاول من خلالها جرير إفحام خصمه والانتصار لنفسه ولقبيلته.

يبدأ جرير نقيضته بالحديث عن همومه الشخصية، وهذه هي عادته في كل نقائضه، ولعل السب في هذه النقيضة بالذات كونه هو البادئ، حسب ترتيب أبي عبيدة التيمي. وهنا ينطبق المثال العربي"الشعر بالشعر والبادئ أشعر"ذاك أن البادئ بالنقائض يصبح هو المحتكم في الخصم، لأنه يفرض عليه البحر الشعري المختار، والقافية وفي بعض الأحيان المواضيع ويجعله في موقف تحد واستنفار.

كما أن البداية، في هذه الحالة، تدخل الارتباك إلى قلب الخصم وتجعله يحاول بكل طريقة نقض طروحات الخصم ومحاولة مباراته على أرضيته أي استعمال نفس الأدوات الشعرية. وقليلة هي النقائض التي لا تلتزم البحر والقافية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت