وهي تعد من العيوب، إلا إذا تجاهل الخصم ما قاله خصمه ويبدأ سلسلة جديدة من النقائض يجعل فيها الخصم في موضع تحدّ.
يبدأ جرير نقيضته (رقم 65) بموقف طللي وتحسر على انقضاء عهد الشباب، لأن الشباب بالنسبة له-وهو عموما- مرحلة العطاء والقدرة على الصراع في الحياة، ولهذا فضياع الشباب يتّحِدُ- في المعنى العميق- مع الأطلال التي فقدت هي الأخرى وظيفتها وصارت"شيخة"إن جاز التعبير. يقول جرير:
1 -ذكرت وصال البيض والشيب شائع ... ودار الصبا من عهدهن بلاقع
2 -أشت عماد البين واختلف الهوى ... ليقطع ما بين الفريقين قاطع
هذه النغمة الحزينة التي بدأ بها جرير هي مجرد تقليد عادة الشعراء الفحول الذين يبدأون قصائدهم بالتبرم بالحياة. ولكنه يعود ليأمل بالتئام الشمل ذات يوم ويعود الوصال إلى سابق عهده، حيث استعمل فعل أشت (من التشتت أي التفرق) وقد سبق لهذه الأمنية باستعمال لعلّ التي تدل على الرجال، ولكن نحس أنه رجاء لن يتحقق. يقول:
3 -لعلك يوما ان يساعدك الهوى ... فيجمع شعبي طية لك جامع
وهذا هو الرجاء الممزوج باليأس والحسرة، وهكذا اتضح لنا أن نغمة الحسرة هذه التي بدأت بالحديث عن الأطلال وما يفعله الدهر يحملها لخصمه الذي يراه سببا في فرقة الفريقين (بيت 2) والشعبين (بيت 3 - والشعب لغة هو الحي العظيم) . وهكذا يبدو أن للأبيات الثلاثة الأولى التي تبدو ظاهريًا طللية منحى دلاليًا آخر وهو تحميل الفرزدق وقبيلته مسؤولية ما حدث من فرقة وتنافر.
وفي الأبيات التي جاءت بعد الموقف الطللي المقنع يبدأ حزنه الحقيقي عندما يتذكر زوجته خالدة. ولعلّ ما أثار ذكراه هو الأطلال نفسها (ودار الصبا من عهدهن بلاقع) . هذا الرثاء يتفق تمامًا مع مقتضيات الموقف الطللي كما جرت العادة في الشعر الجاهلي. ولا ننكر هنا أن بعض التقاليد الشعرية الجاهلية قد عاودت الظهور بعد أن اختفت في صدر الإسلام وغابت عن شعر الدعوة. يقول:
4 -أخالد ما من حاجة تنبري لنا ... بذكراك إلا ارّفض مني المدامع
وهكذا نلاحظ بكثرة استطراد جرير في مقارنة خالدة، بليلى التي لم تبادله الحبّ وتتمنع دائمًا. ويركب في سبيلها الإبل راحلًا في البحث عنها (بيت 6) وبعد