مفاهيم عامة - إلى حد الاستهلاك - عن الوزن والقافية، وقد انطلقا من مواقع مثبتة وهي البحث في الجوانب الشكلية في نظرية الشعر العربي، ولكن هذه المواقف المسيغة أدّت إلى إعطاء رؤية غائمة وبذلك عجزا عن تحليل النموذج الشعري العربي وبحث أسسه النظرية، كما سادت البحث نغمة ساخرة ومنقصة من قيمة النظريات العربية.
ويلخّص عبد القاهر الجرجاني موقفه من التخييل بقوله:"وجملة الحديث الذي أريده بالتخييل هذا هو ما يثبت فيه الشاعر أمرًا هو غير ثابت أصلًا ويدعى دعوى لا طريق إلى تحصيلها، ويقول قولًا يخدع فيه نفسه ويريها ما لا ترى" (54) وهو بهذا يدافع عن مقولة"خير الشعر أصدقه".
ويبدو عند تعرض الفلاسفة المسلمين إلى وسائل التخييل هي نفس وسائل المحاكاة، وهذا يؤكد أن الحدّين، أو المفهوم يتداخلان في كثير من الأحيان في أذهانهم ويتبادلان الوسائل والطبيعة، وأنهم -الفلاسفة- عندما يغيّرون زاوية النظر إلى جوهر الشعر، فإنهم يغيّرون المصطلح، لكن طبيعة الخطاب تبقى تدور في نفس المجال النظري.
الشعر شكل من أشكال التواصل بين أفراد الجنس البشري، ويقول في عملية التواصل هذه، ليس على المضامين لأنها في أغلب الأحيان معروفة من قبل المدين على التخاطب الشعري، ولكن على ما تتضمنه اللغة من طاقات تعبيرية وجمالية، تختلف عن عملية التواصل العادية.
فإذا كان التواصل العادي /اليومي يعتمد على الوظيفة المرجعية Referentielle للغة، أي مطابقة الخطاب للواقع المعاين، أي الذي يصير موضوعًا لكلام الذات المعاينة، فإن التواصل الشعري يرتكز أساسًا على الوظيفة الشعرية poetique للغة، أي يصبح المرجع هو اللغة ذاتها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقيس حقيقة الخطاب إلا من داخله، أي من مكوناته الذاتية، انطلاقًا من هذه القناعات النظرية نرى جوليا كريستيفا J. Kristeva تقول: معنى المحتمل ليس له موضوع خارج الخطاب الأدبي .. قضية الصدق والكذب ليست من مجال اهتماماته" (55) وهكذا يأتي في المرتبة الثانية من العلاقة الرمزية للتخييل."