"فالمعنى"يعنى عند العرب المعاني الأولى و"المعنى"المعاني الثواني، أمّا عند ريتشاردز فإنه يقترب من فهم الجرجاني و"معنى المعنى"يمثل عنده Teneur / Vehicule، أي الحامل /المحتوى، و"المعاني"الأول"الدلالة الوحيدة، أما المعاني"الثواني"في التنظيم الدّال للخطاب الأدبي" (52) .
أمّا كمال أبو ديب فقد تعرض هو الآخر إلى العلاقة بين نظرية الجرجاني وريتشاردز وبالذات عند تعرضهما للنظم والتركيب اللغوي للبنية الشعرية. يقول كمال أبو ديب:"كل من ريتشاردز والجرجاني نظرا إلى التعبير الشعري على أساس أنه انتظام للمعاني، حيث يغير المعنى الأوّل المعنى الثاني وفي المجموع يتغير الأوّل والثاني يفعل التركيب ككل" (53) .
وهو نفس الشرح الذي أورده، عن"تودوروف"في تفسيره لمقولة"معنى المعنى".
أمّا لطفي عبد البديع فإنه يرى في"القول بالمعاني الأوّل والمعاني الثواني ما يوحي بأن الكلام يتألف من أكثر من طبقتين ويريدون بالمعاني الأوّل مدلولات التراكيب وبالمعاني الثواني الأغراض التي يصاغ لها الكلام، فإذا قلنا هو أسد في صورة إنسان فالمعنى الأوّل مفهوم هذا الكلام والمعنى الثاني هو شجاع، كأنهم يفرقون بين المعنى في ذاته مجردًا عن البعد الاستطيقي والمعنى الذي يتأتى فيه ذلك البعد". وهو بذلك - أي عبد البديع- يرى أن"المعاني الثواني هي محصلة المعنى السطحي - التركيب اللغوي- وتفاعله مع المعنى العميق، الأغراض التي يصاغ لها الكلام."
هذه هي الجذور النظرية والفلسفية التي قامت عليها نظرية"معنى المعنى"التي اشتهر بها عبد القاهر الجرجاني لكنها -حمود- الغزي - لم يبحثا في مجالياتها وسياقاتها النظرية المتعددة، ويمكن -لوحدها- أن تشكل الإطار النظري لبنية الشعر.
وقد ربط الباحثان قضية الصدق والكذب بمفهوم المحاكاة"وهذه الاشكالية الأخيرة بدت (لهم) مطابقة لفكرة عزل اللغة عن مضمونها ولكنها في نفس الوقت ذات صلة حميمة بمفهوم المحاكاة عند أرسطو كما فهمها"
العرب" (ص 161) ."
وما يلاحظ على هذا البحث -رغم المجهود النظري الذي تجلّى على مستوى التنظير والتحليل على السواء- أن الباحثين حصرا اهتمامهما في شكلية عقيمة بدعوى الالتزام بحدود المعطيات الموضوعية لنظرية الأدب، وبذلك أطنبا في إيراد