مكان في حين أن التاريخ يتعامل مع الاستثنائي ولا ينتج إلاّ ما حدث بالفعل في الماضي. وهنا يتدخّل عنصران أساسيان لفهم ماهية التاريخ والشعر وقد ناقشهما أرسطو في كتابيه فنّ الشعر والخطابة وهما مبدأ الضرورة وقانون الاحتمال.
ويرى أرسطو أن الفنون تتفق فيما بينها أنها تحاكي الأشخاص والأفعال وأنها لا تتفرق أيضًا فيما بينها إلا بطريقة المحاكاة ووسيلة المحاكاة، وهي الأداة النوعية لكل تعبير فني.
و"الفنون أشكالها المتعددة هي من نوع المحاكيات تختلف من حيث وسائل المحاكاة، الأشياء المحاكية وطرائق المحاكاة" (18) .
من هذه الانطلاقة نلاحظ كيف بدأ أرسطو بتحسس مفاصل الشكل الأدبي كما أنه يكشف عن خط بارز يجمع الفنون وهو المحاكاة، هذا إلى جانب قضية ترتيب أجزاء القول وتأثيرها في المتلقي.
هذا القاسم المشترك بين جميع الفنون (المحاكاة) جعله أرسطو أيضًا عنصرًا مهمًا في التكوين الشعري وأصلا من أصوله، ولا غرابة في ذلك إذ يدافع بهذه القناعة بعد أن هدّم نظرية أستاذه أفلاطون (محاكاة المحاكاة) ودلّل على قصورها وعدم جدواها.
ويصوغ أصل الشعر في شكل مقدمة ونتيجة ويمدّ بينهما نوعين من العلاقات علاقة ترتيبية Taxinomique وعلاقة علّة بمعلول. وليس هذا بغريب على رجل صاغ معظم قوانين المنطق، الصوري: اتساق المقدمات مع النتائج، يقول:"يعود أصل الشعر إلى سببين طبيعيين: المحاكاة شيء طبيعي بالنسبة للإنسان ويتجلّى ذلك منذ الطفولة .. وفي المرتبة الثانية يتحصل الإنسان على لذة من هذه المحاكاة" (19) .
الملاحظ أن أرسطو استعمل كل الوسائل للإنتصار لرأيه: فهو يرى أن المحاكاة شيء متأصل في الطباع البشرية ولا غرابة أن ينعكس هذا الطبع في أشكال التعبير. ويعرض هذه المقدمة في شكل بديهية ثم يقدم نتيجة ذلك وهو اللذّة التي يحصل عليها الفنان من محاكاته.
وقد جعل أرسطو هاتين القضيتين في شكل علاقة علّة بمعلول وذلك للانتصار بواسطة العقل والجدل الفلسفي.
هذه هي الخطوط العريضة للأساس الفلسفي الذي قام عليه مصطلح المحاكاة عند اليونانيين. والمحاكاة في مفهومها الواسع هي إعادة إنتاج للواقع. أي