محاولة تشكيل الواقع من جديد اعتمادًا على عناصر ومعطيات واقعية أو استنادًا إلى خيال المبدع.
والمحاكاة إذا اقتصرت على نقل الواقع دون تحريف أو تعديل، فإنها تكون أقرب إلى الصورة الكاريكاتورية منها إلى الفن: والتعديل لا يعني فقط تجميل الحياة/ الواقع وجعله قابلًا لأن يعاش (بضم الياء) ولكن قد يكون أيضًا الإمعان في وصف الجانب السلبي والمظلم في هذا الواقع.
وهذا التعديل (التحريف) للواقع هدفه أخلاقي بالدرجة الأولى- وإن كان أرسطو يضع اللذة في المقام الأوّل- لأنه أمّا أن يدفع للقيام بعمل معين أو يصرف الناس عن عمل محدّد.
والفن الذي لا يتعدى المعنى الفجّ لمصطلح المحاكاة، أي استنساخ الواقع كما هو دون حذف أو إضافة إنّما هو تجميد لكل الفعاليات الإنسانية وتعطيل لقواها الإبداعية كما لاحظ ذلك هيغل، حيث يقول:"حين لا يتخطى الفن المحاكاة الخالصة يعجز عن الإيماء لنا بواقع حيّ أو بحياة واقعية. فكل ما في وسعه أن يعرضه علينا لا يعدو أن يكون صورة كاريكاتورية للحياة" (20) .
وهكذا نتج عن سوء فهم هذا المصطلح وجود أدب حاول قدر الإمكان القبض على كل دقائق الواقع وحتى غير الدّالة منها، أدب مسطح لا عمق فيه ولا دلالة، رغم أن صاحب المصطلح قد وضح رأيه في الفصل التاسع من فنّ الشعر عندما قارن بينه وبين التاريخ وانتهى إلى أن الشعر أكثر فلسفية من التاريخ لأنه يتكلم عن العام وما يمكن أن يحدث في حين أن التاريخ يتكلم عن الاستثنائي وعما حدث في الماضي، وبذلك يتوفر الشعر على البعد المستقبلي الذي يفتقده التاريخ.
بهذا الفهم المحاكاة، يصبح هذا المصطلح مفتاحًا لفهم الواقع واتخاذ موقف معين منه، لأن المبدع لا يأخذ الواقع كما هو بل يعيد ترتيب معطياته تم بعد ذلك تقديمها في قالب جديد. هذا الشكل الجديد هو ما يسمى إبداع للواقع وليس بالضرورة أن يكون هذا الواقع أحسن من الواقعي أو أسوأ منه بل الهدف هو تقديم واقع فني انطلاقًا من معطيات واقعية.
وتتخذ المحاكاة ثلاثة جوانب حسب فهم النقد الأدبي الحديث: الجانب الأوّل هو تشكيل معطيات الواقع وتحويلها حسب نية مسبقة من المبدع وغرضه في ذلك ترغيب المتلقي في هذا الشخص أو هذا العمل أو تنفيره منه. وهنا يتبدّى العمل التعديلي L,acte correctionnel في الفن الذي يصبح انزياحًا بالنسبة للواقع