فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 233

وتعبيرا متميزا عن هذا الواقع، أو"إخراج القول غير مخرج العادة"كما يذهب إلى ذلك ابن رشد الذي يقصد من المحاكاة إفادة أمر زائد.

أمّا الجانب الثالث فهو التشكيل الجمالي لهذا الواقع ونعني بذلك أن يعبّر عن هذا الواقع جماليًا، أي استعمال أدوات متميزة للتعبير عن هذا الواقع وقادرة على إحداث لذة جمالية في نفسه. هذه الجوانب الثلاثة هي تجليات المحاكاة على مستوى الواقع وعلى مستوى الفن.

أمّا جابر أحمد عصفور فإنه يحاول في نظرته أن لا يعزل هذا المصطلح المحاكاة عن تقوية الآخرين اللذين هما الخيال والتخييل وذلك إيمانًا منه بالتكامل بين المفاهيم الثلاثة ويتعذر بذلك فهم واحد بمعزل عن الآخرين لأنهم (المحاكاة، الخيال، التخييل) ما هم في نهاية الأمر إلاّ زوايا مختلفة ننظر إلى طبيعة الشعر وإلى وظيفته في نفس الوقت.

يقول جابر عصفور:"للمحاكاة جانبان: جانبها التخيلي المرتبط بتشكلها في مخيلة المبدع وجانبها التخييلي المرتبط بآثارها في المتلقي." (21) ومعنى ذلك أن المحاكاة التي هي في الأصل إعادة تشكيل معطيات الواقع وفق منظور جمالي ولهدف إحداث اللذة (أرسطو) ، أو ذات محتوى أخلاقي (الفلاسفة المسلمين) ، هي في نفس الوقت خيال من جانب المبدع، لأن إعادة تشكيل معطيات الواقع تتطلب أدنى درجة من الخيال لربط العلاقات فيما بينها وإلاّ كان الربط ميكانيكيًا لا يوحي بأية دلالة ولا يتوفر على أدنى قدر من الجمال. وهي -المحاكاة- أيضًا تخييل وذلك لارتباطها بالآثار التي تحدثها في المتلقي لأنها إذا لم تستطع استثارة نفس المتلقي فإنها تعجز عن التوصيل وبذلك لا تستطيع تحقيق الغرض الموكول للشعر (اللذة- المحتوى الأخلاقي) .

هذه النظرة تقترب كثيرًا من فهم الفلاسفة المسلمين للشعر- وخاصة الذين تعرضوا لشروح أرسطو- فهو تارة محاكاة وأخرى خيال وطورا تخييل، وتتبادل هذه المفاهيم مواضعها داخل النسق الفلسفي الإسلامي دون أن تحدث أي تناقض أو اضطراب في تحليل القضايا.

وقد تعرض ابن سينا في كتابه الشفاء، الجزء المتعلق بالمنطق وفي الفصل التاسع المعنون الشعر إلى تعريف المحاكاة، وإن كانت منطلقة من المفهوم الأرسطي إلاّ أنها أبرزت أصالة الفكر الإسلامي وتوقه إلى الإضافة وإلى الإبداع، يقول ابن سينا:"المحاكاة كشيء طبيعي للإنسان، والمحاكاة هي إيراد مثل الشيء وليس هو هو". (22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت