فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 233

وخلافًا لما ارتأى عبد الرحمن بدوي أن العرب لم يفهموا نظرية أرسطو في الشعر لعدم وجود الأجناس الشعرية كاملة عند العرب مثل الكوميديا والتراجيديا والملحمة إلاّ أننا نرى أن الفلاسفة المسلمين ببحثهم في"الكليّات"الشعرية قد بحثوا في الخصائص الشكلية التي تتواتر في التعبير الشعري عند معظم الأمم. وليس أدلّ على ذلك من النصين اللذين نشرهما عبد الرحمن بدوي لكل من ابن سينا والغزالي.

وإذا عدنا إلى تعريف ابن سينا للمحاكاة نلاحظ فهمه السليم للمحاكاة بأنها ليست نقلا للواقع، أو تمثيلا له، بل هي إحداث شيء مواز له أي"إيراد مثل الشيء وليس هو هو"وهذا يعني تمثيل الشيء وتمثله وليس استنساخه من جديد. ولكي يتمّ هذا الفعل فإنه لا بدّ كذلك من وسائل وقد عدها ابن سينا - مثل ما حدّد ذلك أرسطو- ثلاثة وهي اللحن، الكلام والوزن.

ولم يكتف ابن سينا بالتعرض إلى طبيعة المحاكاة (إيراد مثل الشيء وليس هو هو) وأدوات المحاكاة (اللحن، الكلام، الوزن) فإنه لم ينس الحديث عن وظيفة المحاكاة وقد حدد لها ثلاث وظائف (23) هي التحسين، وهو ما يقابله الترغيب في شخص، أو في صفة أو في عمل وتحبيب ذلك إلى نفس المتلقي وتقريبه منها، الوظيفة الثانية هي التقبيح وهو تنفير المتلقي من عمل أو صفة أو شخص وصرفه عنها لأنها تتعارض مع الأخلاق ومع الذوق السليم، أمّا الوظيفة الثالثة وهي المطابقة أي تقديم الشخص كما هو الصفة على حالها والعمل كما حدث وهذا أقل تأثيرا من الوظيفتين السابقتين لأن عمله لا يتعدى لكل واقع معين كما هو.

ومن هنا يمكن ملاحظة أصالة الفكر الإسلامي وإضافته إلى الفكر الإنساني ولا يجوز أن نتهمه بالقصور في الوقت الذي حاول فيه الإبداع وممارسة نوع من التأمل في النظريات الشعرية محاولًا بذلك إيجاد أدوات نظرية صالحة للتعامل مع النصوص العربية.

وقد عرفت نظرية المحاكاة، انطفاء نسبيًا في القرون الوسطى بعد أن أشبعت جدلًا في الثقافة العربية الإسلامية ما خلا بعض النتف خاصة عند بوالو (Nicolas) Boileau مقلّد هوراس وخاصة فكرة السموّ Le Sublime واقتربت عند بعض منظري الكلاسيكية من مفهوم المطابقة.

ولكن هذه النظرية -المحاكاة- عادت إلى الساحة الأدبية من جديد ولكن برؤوس ايبستيمولوجية جديدة وأسس فلسفية مغايرة ولكنها في الأخير تستمد كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت