فالاستعارة هي مثلا الاتحاد بين معنيين (ص 180) وتكون علاقتهما التناظر (ص 194) ثم يأتي إلى ذكر العلاقة بين الاستعارة والمجاز ويستنتج -كما فعل الجرجاني تمامًا - أن كل استعارة مجاز وليس كل مجاز استعارة (ص 189) وأن التشبيه يجب أن يدرس بلغة احتمال التعبير ويستعمل أدوات مخصوصة منها الكاف ومثل (ص 237) ، وهنا استعارة اسمية، واستعارة فعلية (ص 250) أي تبعية. هذه القضايا تعتبر من أوليات البلاغة، ولكنه يستغلها -بعد أن يوضّح العلاقات التي يمكن أن توجد بينها -لبناء نظرية الجرجاني للمجاز.
بهذه الطريقة يتوصل أبو ديب إلى إعادة بناء نظرية الجرجاني في المجاز:
1 -المجاز سياق لغوي عام يرتكز على تحويل كلمة من سياقها الطبيعي إلى سياق جديد ومغاير.
2 -المجاز ليس تأويلًا في كل الحالات والظروف، كما أن المشابهة لا يمكن أن تكون مجازًا.
3 -لا ينتج التحويل استعارة فقط ولكنه قد ينتج وجوهًا بلاغية أخرى كثيرة.
4 -الاستعارة ليست مطابقة للمجاز ولكنها تفاعل وجدل بين سياقي معنيين (ص 309) .
وتبقى ملاحظة أخيرة على عمل كمال أبو ديب الذي تعتبر محاولة لتجاوز مفاهيم البلاغة عند الجرجاني حول الصورة والمجاز دون طموح أو محاولة للتنظير البنيوي مثل ما رأيناه في محاولته البحث في فضاء المعنى، أو مثلما تجلّى بوضوح في محاولته البحث في الأنساق اللغوية وقد استطاع بذكاء أن يستخرج بعض الأفكار المهمة التي تشكل الآن جزءًا من اهتمام السيميولوجيا والأنظمة الدالة. وقد كان في الفقرتين الأوليتين اللتين تعرضنا لهما بالتحليل في مستوى طموحه وهو إعادة بناء نظرية الجرجاني، ولكنه عاد في الأخير (في الفقرة الأخيرة) يُكرّر المقولات البلاغية المعروفة وبذلك ضاع منه خيط التفكير. ومع ذلك تبقى محاولته هذه طريقًا جادة للتنقيب في جواهر تراثنا ومحاولة رائدة جديرة بكل تقدير.