فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 233

وقد لاحظ"دومنيك منغينو"عند تحليله للنصوص المتبادلة بين العقلانيين ورجال الكنيسة (في عصر التنوير) - وهي تشبه من حيث الإطار البنيوي ظاهرة النقائض في الشعر العربي، ولكنها مكتوبة بأسلوب نثري-"أن العلاقة الجدالية تظهر في مستواها الأولي لأن الخصمين يتكلمان نفس اللغة، وإنهما ينتميان إلى نفس المجال المؤسساتي وهناك نفس الكلمات التي تتردد بين هذا وذاك، ولكن هذه الكلمات المتشابهة لا تقول نفس الفكرة" (27) .

هذه الملاحظة تنطبق أيضًا على نقائض جرير والفرزدق فهما يتعاملان مع نفس المستوى اللغوي الذي عرفه العصر الأموي مع بداية الاختلاط اللغوي ودخول بعض الألفاظ الأجنبية إلى اللغة العربية وعودة ثانية إلى الطرائق الشعرية التي كانت سائدة في الجاهلية إلى غير ذلك من المشاكل اللغوية التي عرفتها تلك المرحلة.

كما أنهما ينتميان إلى نفس المؤسسة الأدبية وهي ما عرفت بطبقة شعراء النقائض، كما أنهما ينتميان إلى مجتمع واحد له ظروفه وملابساته وما يحكمه من تناقضات وصراعات ميزت تلك الفترة من التاريخ العربي الإسلامي، وقد عبرت نقائضهما عن تناقضات مجتمع حاول الرجوع إلى أعراف القبيلة الجاهلية وسيادتها بعد أن أرسى الدين الإسلامي قواعد معاملات جديدة وثبتها بالممارسة العملية إبان عهد الخلفاء الراشدين.

وقد تنبّه جرير إلى العلاقة التي تربطه بخصمهِ الفرزدق بأنها ليست علاقة خصم ولكنه رأى فيه مصدرًا من مصادر الشاعرية وأنه يمثل بالنسبة إليه محرك الشعر وآليات الوجدان عندما قال"نبعة الشعر الفرزدق" (28) وهذا يُبيّن مدى ارتباطهما بعضهما ببعض. وعندما بلغه صوت الفرزدق أيقن أنه أصبح هو الآخر في عداد الأموات-شعريًا على الأقل- وتمنى بكل أسف وحسرة لو عاش الفرزدق قليلًا:

مات الفرزدق بعدما جدّعتُه ... ليت الفرزدق كان عاش قليلا

وهذا البيت رغم ظاهره الذي يوحي بالهجاء والتشفي إلا أن استقراء الشطر الثاني منه يدلنا على هول الفاجعة وذهول جرير أمام موت الفرزدق لأنه أحسّ أنه ارتطم بجدار الموت، وأنه شعريًا قد بلغ نهاية المطاف وفي الأخير أدى لزميله الذي بقي يصارعه مدة أربعين سنة تحية الوداع وذلك من خلال قصيدة يقول فيها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت