فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 233

وقديمًا تنبَّه أرسطو إلى علاقة الشعر بالتاريخ وقد خصَّص لذلك فصلًا كاملًا (الفصل التاسع) ، حاول فيه أن يقارن بين (التاريخ والشعر) [1] واستعرض مزايا كل منهما ولكنه انتهى إلى تفضيل الشعر على التاريخ باعتباره أكثر فلسفية وجدية من التاريخ، لأنه يمكن أن يعبّر عن الماضي وعن المستقبل، في الوقت ذاته يمتاز بالتعبير عن الحالات المشتركة بين كل الأفراد وكل الحضارات في حين أن التاريخ يبقى حبيس نظرة ضيقة، مرتبطة بحدث خاص وهكذا يفتقد إلى البعد المستقبلي في حين أن الشعر له قدرة الاستشراف والتنبّؤ.

وقد لاحظ إدوار كار في كتابه"ما التاريخ؟".. أنَّ نظرة أرسطو هذه للتاريخ قد انسحبت على عدة أجيال من المؤرّخين اعتبرت التاريخ هو ذلك العلم الذي يتعامل مع الاستثنائي والخاص، وهكذا عجزت هذه الأجيال عن الإجابة عن السؤال لماذا حدث هذا؟ [2] أي استنتاج العلل من الأحداث، أو كيف حدث هذا؟ أي طرح قضية التاريخ باعتباره مجموعة أحداث تتعلّق بحضارة مخصوصة تتطّور باتجاه محدّد.

من هذا المنظار يمكن أن نقول إن الشعر يمكن أن يساهم في كتابة تاريخ حضارة معينة دون أن يقصد إلى ذلك. وهكذا يصبح الشاهد الأمين على أحداث معينة، وما ملاحم الشعوب المختلفة إلاَّ عبارة عن أشعار يتداخل فيها الشعري بالتاريخي، وتحول مقولة أرسطو إلى معادلة متوازنة الأطراف.

وعند استعراضنا لعدة قراءات مختلفة لنص أدبي واحد تشكّلت داخل آفاق متباينة يجب أن نتساءل: ما الذي حافظت عليه هذه القراءات وما الذي أهملته؟ إنَّ الإجابة عن هذا السؤال تضعنا أمام مجموعة من الحقائق منها: إن الشكل باعتباره الانتظام لمجموع العناصر اللغوية والإشارات الثقافية يتحّول إلى إطار زمني يحيط التجربة الفنية، وأظن أن كل القراءات مهما اختلفت مناهجها ووسائلها النقدية قادرة على الوصول إلى حقيقة الشكل الأدبي، إذ لا ينكر أي واحد أن معلقة امرئ القيس تتكون من عدد من الحركات الشعرية (الأغراض) ، وأن حسن التخلص ميزة تمتاز بها القصيدة، وأن وزنها من البحر الطويل إلى غير ذلك من الملاحظات القديمة والمقررة.

لكن ماتختلف فيه هذه القراءات هو تعاملها مع القيم الجمالية والمضمونية

(1) أرسطو: فن الشعر ـ (الترجمة الفرنسية) لي بال ليتر ـ باريس 1900 ـ (الفصل التاسع) .

(2) أدوار كار: ماهو التاريخ؟، ص ص 68 - 69 ـ ت: ماهر كيالي وبيار عقل ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت 1980 ـ ط 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت