فهرس الكتاب
وقال تعالى: {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} .
وقال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .
فإذا قامت البدعة والشر طاروا إليها بلا تفكر ولا نظر، وأمّا الحق فثقيل؛ والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن ما من أحد دعاه وإلا وكان له توقف في الاستجابة، إلا أبو بكرٍ رضي الله عنه. فقد روى ابن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الحصين التميمي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين دعوته، ولا تردد فيه) .
ولذلك الحق يسري رويدًا بين الناس، ثم لو قام في أول الدعوة لما علم الناس يد الله تعالى، ولما كان في ذلك حكم الابتلاء، ولما وقع الحق موافقًا للقدر الذي يلائمه من النصر -وهو ما يُسمّى بالظرف السُنَني- للبقاء والنمو والارتفاع.
والفرق يلاحظه المرء في طريق الأنبياء وسُنَن نصرهم وظفرهم بمرادهم، كما أنه يستطيع ملاحظته في بناء أهل البدع، كيف تقوم متسارعة كالثور الأهوج ثم تبدأ بالانحسار؛ ولو تفكرت لرأيت أن هذا فيه ابتلاء الله للناس، لأنها بإقبالها -أي البدع- على هذا الوجه من التدفق والثَّوران فتنةٌ لأهل العلم والناس، فالعالِم لا تضره ولا تفتنه حتى وهي في أوج قوتها، وأمّا الناس فيتساءلون ويقعون في الشك، والذين يريد الله إبعادهم يسقطون.
وهذا المعنى كذلك في الحق، حيث لا يقبل عليه في الابتداء إلا أهل العلم والنظر ومن أراد الله لهم الخير، فيحصل لهم السبق الذي يحقق أعظم الرضا الإلهي.
ولو طبقت هذا على واقعنا، لرأيت أن طائفة الجهاد كانت دومًا تقوم على الصفوة، ولم ينضم إليها إلا من استطاع الخروج عن سطوة من سموا بالعلماء من أصحاب الأسماء الكبيرة، وتحملوا أعظم المشاق، وقدموا أعظم التضحيات، في