فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 783

الآن حمي الوطيس

[26 فبراير 2015 م - 8 جمادى الأولى 1436 هـ]

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبي الرحمة والملحمة.

أما بعد:

أوائل الهبات وبادي الرأي أمران لا يحكم بهما على النهايات، بل هما مطعون بهما عند الحكماء وأهل النظر، فالعبرة بما يأتي من تمكين الفعل وتمحيص الرأي؛ فأوائل الهبات تحتاج إلى تمكينها، وبادي الرأي يحتاج إلى تمحيص.

وقد مضى أن قامت الأمة بهبات لم تحسن تمكينها، فآلت إلى خسارة وهزيمة، وكانت النهاية مفجعة.

وذلك لما قام أهل فلسطين بهبات ضد اليهود؛ إذ كانت قائمة على العفوية والسذاجة وقوة العاطفة، يقابلها التخطيط والدهاء والمكر، وكانت تلك الهبات بعفوية بادي الرأي كمثل الرأي الفطير، لا تشبع نهمًا ولا تقابل مكرًا ولا تخطيطًا، فكانت العاقبة لمن فكّر وقدّر وأعدَّ الأمور بقراءة المتأني الخبير.

عندما قامت الثورة السورية نفر إليها من نفر، في قلوبهم الانتصار لشعب يقتل، وتباد ساحاته، وتنتهك محارمه وقيمه، فانساح في تلك الساحة من عفوية القرارات وبراءة الآراء، وَجُوبِهَ كل ذلك بواقع صلب ممكن مرير، يكاد له من كبار وأمم ودول، فظن البراءة والعفوية أن الأمر سريع الانقضاء، والنهاية منظورة، ولم يكن هذا صحيحًا البتة، بل امتدَّ الأمر وطال الوقت، فبردت الجروح وآلامها، وبدأت العواطف تخبو، فشرعت النفوس تهتم بنقد الذات بل جلدها، فهذه مواجهة جديدة لا ينفع معها الهبات السريعة، ولا يقوم لها بادي الرأي، بل تحتاج إلى فكر ونظر ومتابعة، فهو استقرار لمعركة طويلة يجب مراعاة ظرفها وأحوالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت