الروائح الزكية؛ فللكلمات مسيرتها، وليست الشخوص وهي تسير مجتمعة تطالب وتشكر وتؤيد أو تندد بأولى من مسيرة الكلمات لهذا الشأن.
ومن تفكر في كلمة"الكتابة"واجتماعها في الأصل والجذر مع"الكتائب"، علم شرف هذه اللغة التي ترفع درجة الكلمة إلى قوة معاني الوجود الظاهر القوي. ثم من تفكر اجتماع جذر كلمة"الكتابة"مع كلمة"القراءة"في المعنى، علم أن هذه لغة سماوية فيها الوضع الإلهي العظيم؛ ذلك لأن الكتابة والقراءة دالان على الجمع، وفي الجمع قوة الاتفاق، واتفاق القوة.
وهكذا اشتق هؤلاء للكلمات معنى القوة فسموها مسيرة، تساق كلمات الحب لرجل يستحق كل الحب، وتهدى لرجل أهدى للأمة روحه وقلبه وعقله وحياته، وتقلد لرجل قلد جيد هذه الأمة المفاخر وحسن الفعال وطيب المقال ورجولة المواقف.
هذه مسيرة لم يجمعها إلا قرار القلوب، فهي حديث القلب دون سواه، ويا لحديث القلب من جمال وعظمة وثقل! ويكفي أن يكون هذا الحديث هو وحده ما يوزن به العبد يوم القيامة {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} .
هناك حيث تجمعت شعرات الحكمة، والعين تنظر إلى الوجود كله نظرة الإرادة الإلهية بوجوب إسماع العالم صوت السماء، وتحريض الغافلين على لصوص النعمة الإلهية أن هبوا إلى مصارع العشاق، وبحب الجنود لهذه الهمسات يفقهون الخطاب؛ لأن هذا القائد من طينة الذاهبين من أسلاف هذه الأمة نحو الفعل الذي به يضبط العالم على وفق تاريخ الإيمان لا غير، فلم يعد لحركة التاريخ بسير الجنود ولا بقيام الدول ولا بسقوطها إلا ولاسم هذا الرجل وجود هو الأكبر؛ لأنه النور، ولأنه الإيمان، ولأنه -والله حسيبه- في كل ذلك يد القدر الإلهي الذي يقيم الحجة على الخلق، حيث تغيب صورته وتبقى أنفاسه حاضرة مستعلية.