فهرس الكتاب
والوالد هو أول يوم له في هذا العمل، الذي تركه بعد ذلك، لا كأخيه الوحيد الذي بقي فيه ليوم وفاته.
بدأ الوالد عمله وهو يظن أنه سينتهي من حجر واحد في أول يوم، ليرحل إلى زوجه وبيته بخمسة قروش، هي مقدار أجرته المطلوبة والمؤمل حصولها، وقد كان ..
وفي خاتمة النهار، وهو فرح بقرب انتهاء الحجر، كانت الفاجعة عنده التي تلائم سقوط فلسطين!!؛ ما إن ضرب الضربة الأخيرة في الحجر حتى انفلق الحجر إلى قسمين!! فذهب كل جهده، ولا أدري أقال لي: طفرت الدمعة من عينه أم لا!
كان معه في العمل (الورشة) والد هذا الرجل، فلما رأى هذه الفاجعة، نادى والدي وأخذ بيده، وأعطاه حجرًا من حجريه الاثنين الذين صنعهما، وقال له: خذه وارجع لأهلك بما يطعمهم .. وكان ثمن هذا الحجر خمسة قروش فقط، لكنها الدنيا يومذاك.
كان هذا الفعل هو ما جعل والدي يفعل ما فعل ويأمرني بما أمرني به.
هذا الرجل لو رأيته لا أعرفه، ولن أعرفه، وبالتالي لن أعرف ذريته، لكنها الكلمات التي ما زلت أذكرها، وجعلتني أفهم معنى (حسن العهد من الإيمان) !
أذكر هذا الفعل من رجل أشبه بالعامي، حفظ القرآن على كبر، ولم أعهد عليه كذبة كذبها في حياتي كلها، وقد سلخ أربعة عشر عاما وهو يحفظ كتاب الله، وهو الآن أشبه في حالة خلوة في مسجد قديم ينام فيه ويعيش فيه، ويرفض أن يخرج إلا لحاجات قليلة ولأوقات قليلة، يعبد الله ويدع الناس من شره.
قارنوا بينه وبين من يزعم الدعوة إلى الله وإحياء الأمة .. وقد رمى بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - (حسن العهد من الإيمان) وراء ظهره، من أجل أن يرضي الجهلة، أو من أجل خلاف يسير، وهو يعلم من نفسه الجهل والهوى، وهما سبب كل شر!!