فقلت له: هون عليك، أدام الله أيامك؛ فإن الدهر ذو دول، وقد يسعف الزمان ويساعد، وترجع دولة العز وتعاود، فتستخلف ما هو أحسن منها وأجود.
فقال: حسبك يا بني؛ هذه نتيجة خمسين سنة من العمر أنفقتها في تحصيلها، وهب أن المال يتيسر والأجل يتأخر، وهيهات، فحينئذ لا أحصل من جمعها بعد ذلك إلا على الفراق الذي ليس بعده تلاق.
وأنشد بلسان الحال:
هب الدهر أرضاني وأعتب صرفه ...
وأعقب بالحسنى وفكّ من الأسر
فمن لي بأيام الشباب التي مضت ...
ومن لي بما قد مرّ في البؤس من عمري
وكان مع اغتباطه بالكتب، ومنافسته ومناقشته فيها، جوادا بإعارتها؛ ولقد قال لي يوما، وقد عجبت من مسارعته إلى إعارتها للطلبة: ما بخلت بإعارة كتاب قط، ولا أخذت عليه رهنا، ولا أعلم أنه مع ذلك فقد كتابا في عارية قط.
فقلت: الأعمال بالنيات؛ وخلوص نيتك في إعارتها لله حفظها عليك).