تَمُرّ بكَ الأبطالُ كَلْمَى هَزيمَةً ... وَوَجْهُكَ وَضّاحٌ وَثَغْرُكَ باسِمُ
فقال المتنبي: إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه، فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولاي يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك؛ لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف تفاصيله، وإنما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤمًا، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسًا وعينه باكية قلت:"ووجهك وضاح وثغرك باسم"، لأجمع بين الأضداد.
أرسلت لكم هذه المحاورة لتكون جوابًا على من يطلب ترتيب الكتب خلاف وضع أصحابها، بحجة عدم الإتقان كما أرادها الواضع.
الكتاب ينشأ في نفس الكاتب على معنى خاص له؛ كالقصيدة.
وشيخ العربية محمود شاكر في كتابه"نمط صعب ونمط مخيف"بيَّن كم نفس للشاعر، وكيف تتكوَّن القصيدة وتترتَّب في نفس صاحبها؛ وكذلك الكتاب .. فوجب احترام هذا النفس في ظني.
وبارك الله فيكم.
أحد الإخوة: لكن ألا تتطلب بعض الكتب التبسيط لتسهيل الفهم على القارئ؟!
الشيخ أبو قتادة حفظه الله: أخي الحبيب؛ للعلماء مناسبات جليلة في تقديم كتب أمثالهم، لكن ما نراه اليوم في أغلبه طمس للكتب واتّجار بها، وإفسادها، والقوم يظنون أن الاختصار ليس علمًا، أو أن التَّهذيب ليس فن الكبار، ثم يمكن للعالم اليوم أن يقوم بتقديم الكتاب من خلال الدرس المسجَّل، وتقريب الفوائد صوتًا، لكن للمؤلفين مقاصدهم وعلومهم المخفية، ولا يُقدم على كتبهم إلا أمثالهم أو من فهم