ثانيًا: إنّ الردَّ على الشبهةِ الثانيةِ التي تقولُ: كيف لموسى النبيِّ أنْ يتّهمَ نفسَه بالضلالِ، ويعترفُ على نفسِه بذلك، وهذا ما جاءَ في القرآنِ لمّا قال: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) } (الشعراء) ؟
يكونُ الردّ مِن وَجْهٍ لا يخدمُ المعترضين للطعنِ في عصمتِه - عليه السلام - بل هو دليلٌ على تمامها منذُ بدئها ...
وذلك لمّا قال - عليه السلام - لفرعونَ: {فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} أي: قتلتُ المصريَّ قبلَ النبوّةِ، فالضلالُ هنا ضلالٌ عنِ المعرفةِ؛ ويقولُ - سبحانه وتعالى - لنبيِّه محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) } (الضحى) . أي وجدك بعيدًا عن معرفةِ اللهِ الحق فهداك إليه بالنبوة ....
ويدعم ما سبق هو قولُه - سبحانه وتعالى - للنبيِّ محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) } (النساء) .
إذًا مِنْ خلالِ ما تقدم تبين لنا: أنّ نبيَّ اللهِ موسى - عليه السلام - قتلَ المصريَّ قبلَ أنْ يكونَ نبيًّا، ولم يكنْ متعمِّدًا للقتلِ حينها، فالطعنُ بشأنِ عِصمتِه ناتجٌ عن أوهامٍ في عقولِ المعترضين، أحلام إلى حين ...
ثالثًا: إنّ المتأمّلَ في الكتابِ المقدّسِ يجدُ أنّ النبي موسى قتلَ الرجلَ البريءَ (المصريَّ) متعمِّدا مع العلمِ أنّ الإسرائيليَّ كان ظالمًا، ووجدْنا المثلَ الشائعَ عندنا في مصرَ (أنا وأخي على ابنِ عمِّي وأنا وابنُ عمِّي على الغريبِ) وذلك لما قتلَ موسى - عليه السلام - (المصريَّ) الذي تعاركَ مع أخيه (الإسرائيليِّ) بدافع العصبية والقومية والعنصرية ...