ثم توضّحُ الآياتُ التاليةُ مُرادَ اللهِ - سبحانه وتعالى - من كلمةِ (أهلِك) التي استشكلَ فِهمُها على نوحٍ - عليه السلام: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الخَاسِرِينَ (47) } (هود) .
وفي قراءةٍ بكسرِ الميمِ «عَمِل"فعل، ونصب «غَيْر"فالضمير لابنه.
نُلاحظُ: أنّ نوحًا - عليه السلام - الذي غلبَته عاطفةُ الأبوّةِ لمّا فهِمَ مُرادَ اللهِ أنابَ إلى ربِّه؛ وذلك لمّا قال: {رَبِّ إنّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الخَاسِرِينَ (47) } (هود) .
فباركَه اللهُ - سبحانه وتعالى - وأيّدَه، ومنحَه السلامَ التام، ثم أخبرَ اللهُ نبيَّه محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - بأنّ العاقبةَ للمتقين ... وليس للقرابةِ والصلةِ علاقةٌ بالنجاةِ من عذابِ اللهِ - سبحانه وتعالى -، فهاهو نبيُّنا محمّدٌ - صلى الله عليه وسلم - أبَوَاهُ ماتا على غيرِ دينهِ-لم يدركوه- بل بعضُ أقاربِه ماتوا على الشركِ كما كان مِن نوحٍ النبيِّ - عليه السلام - مع ابنِه وزوجتِه: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) } (هود) .
إنّ قصّةَ نوحٍ وابنِه بيانٌ عمليٌّ لقولِ اللهِ - سبحانه وتعالى: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) } (الممتحنة) .