ويُدلّلُ على ما سبقَ أيضًا ما قاله ابنُ حجرٍ في الفتحِ: وقد ثَبَتَ أنّهُ - صلى الله عليه وسلم - دَعَا لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاء فَلَمْ يَبْدَأ بِنَفْسِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ"يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْن شَدِيدٍ". اهـ
وعليه: فلم يقلْ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديثَ عتابًا على فِعلِ نبيِّ اللهِ لوطٍ كما يظنُّ المعترضون؛ ولكنّه تعجّبَ لِفعلِه إذ كان يبحثُ عنِ المددِ، وهو لا يعلمُ بوجودِ الملائكةِ معه في بيتِه على صورةِ البشرِ (الضيوفِ) ، فدعا له بخيرٍ لما ذكرَ لأصحابِه ضيقَ حالِه في ذلك الموقفِ العصيب ....
ثم إنّ المقصودَ مِن قَولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم:"لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ". أيْ: يأوي إلى اللهِ - سبحانه وتعالى - ... وهذا واضحٌ مِن أقوالِ العلماءِ كما يلي:
1 -قال ابنُ حجرٍ - رحمَه اللهُ- في الفتحِ: قولُه: (يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) أَيْ: إلى اللهِ - سبحانه وتعالى -، وَيُشِيرُ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى قولُه تَعَالَى: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) . اهـ
2 -قال النوويُّ- رحمَه اللهُ- في شرحِه: وَأَمَّا قَوْل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم: (وَيَرْحَم اللَّه لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْن شَدِيد) فَالْمُرَاد بِالرُّكْنِ الشَّدِيد هُوَ اللَّهُ - سبحانه وتعالى -، فَإنّه أَشَدُّ الْأَرْكَانِ وَأَقْوَاهَا وَأَمْنَعهَا. اهـ
3 -قال صاحبُ تحفة الأحوزي - رحمَه اللهُ-:"وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ"أَيْ: إلى اللهِ - سبحانه وتعالى -، يُشِيرُ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى قولُه تَعَالَى: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} . اهـ
ثانيًا: إنّ قولَ المعترضِ بأنّ لوطَ لم يلجأْ إلى اللهِ - سبحانه وتعالى - ليدافعَ عنه؛ بل قال لهم: لو أنّ لي قوة أوعشيرةً -أنصار لي- لدافعوا معي عن أضيافي ... قولٌ باطلٌ لا دليلَ