قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: ..."إنكم لتختصمون إليَّ، ولعلّ بعضَكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعضٍ، وإنما أقضي على نحو ما أسمعُ، فمن قضيت له بشيء من حقِّ أخيه فلا يأخذْهُ؛ فإنما أقْطعُ له قطعةً من النار"... فبين أنه يقضي للرجل بشيء من حقِّ أخيه. ولو كان ما قضي به هو الحكم عند الله - تعالى- لما قال:"قضيت له بشيء من حق أخيه"ولا قال:"إنما أقطع له قطعة من النار".
ولأن الحكم عند الله -تعالى- لا يختلف باختلاف لحن المتخاصمين، أو تساويهما. [1] ... -- روي البخارى و مسلم عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ..."إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ". [2] ... وهو صريح في: أنه يحكم باجتهاده فيخطئ ويؤجر دون أجر المصيب. ... -- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ... وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر} {وقال لسعد بن معاذ لما حكم في بني قريظة: لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة} وكان يقول لمن يرسله في جيش أو سرية: {إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم؛ ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك} . وهذه الأحاديث الثلاثة في"الصحيح"وفي حديث سليمان (عليه السلام) وأسألك حكما يوافق حكمك. فهذه النصوص وغيرها تدل على ما اتفق عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان أن أحد الشخصين قد يخصه الله باجتهاد يحصل له به من العلم ما يعجز عنه غيره فيكون له أجران وذلك الآخر عاجز له أجر ولا إثم عليه. وهذا حال جميع الأمة فيما تنازعت فيه من المسائل الخبرية والعملية إذا خص أحدهما بمعرفة الحق في نفس الأمر مع اجتهاد الآخر وعجزه كلاهما محمود مثاب. [3] ... وقال رحمه الله: ...
(1) المصدر السابق (2/ 355)
(2) فإن قيل: المراد به إصابة النص والإجماع والخطأ بهما. قيل اللفظ عام فوجب أن يحمل على عمومه ولأن استحقاق الأجرين لا يختص بإصابة النص والإجماع فإن ما فيه نص وإجماع ومالا نص فيه ولا إجماع في الأجر سواء فدل على أنه عام في الجميع. (التبصرة في أصول الفقه(1/ 499 ) )
(3) مجموع الفتاوى (7/ 345)