في الأمور الاجتهادية إذا كان عنده بخلاف ما أعلن؛ لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس؛ لأن الحكم لو كان عنده بخلافه: ... لكان سكوته تركًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا بخلاف ما
شهد اللَّه به لهذه الأمَّة من أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. [1] ... *** المذهب الثاني: ... أن ذلك ليس بإجماع ولا حُجَّة.
وهو مذهب داود وابن حزم، وقال إمام الحرمين: إنه ظاهر مذهب الشافعي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن مذهب المجتهد يعلم بقوله الصريح الذي لا
يتطرق إليه أي احتمال، أما سكوت الساكت فإنه يحتمل أنه سكت
لكونه راضيا بالحكم الذي أعلنه ذلك المجتهد.
ويحتمل أنه سكت، لأنه لم يجتهد في المسألة الحادثة، بل تركها.
ويحتمل أنه اجتهد فيها، ولكنه سكت؛ لأنه لم يتوصل إلى
حكم معين فيها.
ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم معين مخالف لرأي
المجتهد المعلن، ولكنه لم يظهره، تقية ومخافة. ... وإذا كان السكوت يحتمل هذه الاحتمالات، فلا يدل السكوت
على الرضا لا قطعًا، ولا ظاهرًا، وهو معنى قول الإمام الشافعي
-رحمه اللَّه:"لا ينسب لساكت قول"، وإذا كان الأمر كذلك
فلا يكون سوتهم مع انتشار قول المجتهد المعلن له إجماعًا ولا حُجَّة. ... الدليل الثاني: ... أنه لما قال ذو اليدين للنبي - صلى الله عليه وسلم: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه؟
فنظر رسول اللَّه إلى أبي بكر وعمر - رضي اللَّه عن الجميع - وقال:
"أحقٌّ ما يقوله ذو اليدين؟".
وجه الدلالة: أن السكوت لو كان دليلًا على الموافقة لاكتفى به
رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ولما طلب من أبي بكر وعمر بيان ذلك بالنطق من غير حاجة، فدل ذلك على أن السكوت لا يدل على رضا الساكت، فلا يكون إجماعًا ولا حُجَّة.
## الراجح، والله أعلم: التفصيل.
(1) الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ (2/ 935)