حتى عرفت بين الناس بسيرة ابن هشام. ثم جاء علامة الأندلس ونزيل مراكش الحافظ أبوالقاسم السهيلي (ت581هـ) رغم أنه كان ضريرًا إلا أنه كان نافذ البصيرة فتناول كتاب ابن إسحاق بالشرح والتعليق فألف كتابه الجليل (الروض الأنف) وكان قد ألفه في مدينة مالقة قبل رحلته إلى مراكش.
لماذا طعن بعض علماء الحديث في ابن إسحاق؟
نستطيع أن نوجز الأسباب التي دفعت بعض علماء الحديث إلى ذلك:
الأول: طعن الإمام مالك بن أنس وقوله عنه: (دجال من الدجاجلة) .
الثاني: طعن هشام بن عروة فيه. حيث اتهمه بالكذب لأنه كان يروي عن زوجته فاطمة بنت المنذر وكان هشام بن عروة ينكر سماع ابن إسحاق عنها.
الثالث: ماذكره ابن هشام في منهجه في سيرة ابن إسحاق (وأنا ـ إن شاء الله ـ مبتدئ هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم ومن ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ولده وأولادهم لأصلابهم: الأول فالأول من إسماعيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمم، ومايعرض من حدييثهم، وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل على هذه الجهة للإختصار، إلى حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتارك بعض ماذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شئ، وليس سببًا لشئ من هذا الكتاب، ولا تفسيرًا له ولا شاهدًا عليه، لما ذكرت من الإختصار، وأشعارًا ذكرها لم أر أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره، وبعض لم يقرّ لنا البكائي بروايته، ومستقص ـإن شاء الله تعالى ـ ما سوى منه بمبلغ الرواية له والعلم به) (السيرة النبوية لابن هشام/دار الفكر العربي/ بيروت/ج1/ص6) .. لذلك فهم بعض المشتغلين بالدراسات التاريخية أن ابن إسحاق شخص واه مجروح ودليل ذلك أن ابن إسحاق هذب سيرته وذكر أنه حذف أشياء تسوء البعض .. إلخ.
وهذا يقودنا إلى تفنيد الطعون السابقة والرد عليها:
أما بخصوص كلام الإمام مالك في ابن إسحاق:
فقد كان للإمام البخاري كلام حسن في مثل هذه الطعون: (قال البخاري: لوصح عن مالك تناوله من ابن إسحاق، فلربما تكلم الإنسان، فيرمي صاحبه بشئ واحد، ولا يتهمه في الأمور كلها. وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح: نهاني مالك عن شيخين من قريش، وقد أكثر عنهما في الموطأ وهما ممن يُحتج بهما، ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، والشعبي في عكرمة وفيمن كان قبلهم، وتناول بعضهم في